عالم رباعي الأقطاب

دارون عاصم أوغلو - أستاذ علوم الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

بعد أن عمل على تقليص الدور العالمي الذي تضطلع به أمريكا، في حين رفض قبول النفوذ الصيني المتنامي، أصبحت رئاسة دونالد ترامب تمثل اللحظة من الزمن التي لفظت فيها حقبة أحادية القطبية أنفاسها الأخيرة. ولكن بينما يفترض كثيرون أن عالَم ما بعد الحرب الباردة الأحادي القطبية يفسح المجال الآن أمام نظام دولي ثنائي القطبية تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، فإن هذه النتيجة ليست حتمية ولا مرغوبة. بدلاً من ذلك، لدينا كل الأسباب التي تجعلنا نأمل في ــ ونعمل في اتجاه ــ عالم حيث تضطلع أوروبا والاقتصادات الناشئة بدور أكثر قوة وتوكيداً.

من المؤكد أن الصين، باعتبارها الدولة الأكثر نجاحاً على المستوى الاقتصادي في العالم، فرضت بالفعل قدراً كبيراً من النفوذ الجيوسياسي في آسيا وخارجها.

الواقع أن العالم الثنائي القطبية سيكون مزعزع الاستقرار ومتقلباً للغاية. إن ظهور مثل هذا العالم من شأنه أن يزيد من خطر نشوب صراعات عنيفة (وفقاً لمنطق فخ ثيوسيديدس)، هذا فضلاً عن أن توطيده من شأنه أن يجعل حلول المشكلات العالمية تعتمد كلياً على المصالح الوطنية للقوتين الحاكمتين.

يتمثل التحدي الأول في القوة المركزة التي ستتمتع بها شركات التكنولوجيا الكبرى. في حين تُـقَـدَّم التكنولوجيا عادة على أنها جبهة أساسية في الصراع الأمريكي الصيني، فإن الأمر لا يخلو من انسجام كبير بين الدولتين. فكل من الدولتين ملتزمة بالسعي إلى فرض هيمنتها الخوارزمية على البشر.

لا يخلو الأمر من اختلافات بطبيعة الحال. ففي حين تبنت حكومة الولايات المتحدة ذات الرؤية التي تحتضنها شركات التكنولوجيا الكبرى، تظل شركات التكنولوجيا العملاقة في الصين تحت رحمة الحكومة ويتوجب عليها أن تلتزم بأجندتها.

و لن تكون نُـصـرة حقوق الإنسان والديمقراطية ذات أولوية عالية في عالم ثنائي القطبية. القضية الكبرى الأخرى التي من المرجح أن تحظى بقدر ضئيل من الاهتمام في عالم ثنائي القطبية تهيمن عليه الصين وأمريكا هي تغير المناخ.

في السنوات الأخيرة، بدت الصين أكثر دعماً من الولايات المتحدة للاتفاقيات الدولية الرامية إلى الحد من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي. لكنّ القوتين العظميين لا تشكلان أكبر مصدرين للانبعاثات الغازية الضارة وحسب؛ بل تدين كل منهما بالفضل أيضاً إلى نماذج اقتصادية كثيفة الاستهلاك للطاقة.

من المرجح أن تحظى كل هذه المشكلات بقدر أعظم من الاهتمام في عالم يهيمن عليه قطبان إضافيان، يمثلهما الاتحاد الأوروبي واتحاد بين اقتصادات ناشئة، ربما في إطار منظمة جديدة ــ «مجموعة الدول العشر» ــ يتألف من المكسيك، والبرازيل، والهند، وإندونيسيا، وماليزيا، وتركيا، وجنوب أفريقيا، ودول أخرى. مثل هذا العالم الرباعي القطبية سيكون أقل ميلاً إلى السماح بنشوب حرب باردة جديدة.

من جانبه، بَـرَزَ الاتحاد الأوروبي بالفعل كنصير لمعايير حماية الخصوصية وتنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى، وهو في وضع جيد يسمح له بمقاومة الأتمتة الخوارزمية.

لكن القطب الاستراتيجي الذي يمثل الاقتصادات الناشئة ربما يكون أكثر أهمية وتأثيراً. فإذا استمر الذكاء الاصطناعي في إزاحة البشر في محل العمل، فستكون الاقتصادات الناشئة الخاسر الأكبر.

من المؤكد أن العالم الرباعي القطبية لن يكون حلاً سحرياً. ففي ظل مجموعة أوسع من الأصوات وإمكانية نشوء تحالفات أكثر انتهازية، سيكون من الصعب للغاية إدارة مثل هذا العالم مقارنة بالعالم الأحادي القطبية في الماضي القريب، ومن المحتم أن تجد أوروبا نفسها على خلاف مع هذه الكتلة عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان والديمقراطية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات