آفاق الديمقراطية الأمريكية

صورة

في الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذا العام، حصل الرئيس المنتخب جو بايدن على 79.8 مليون صوت (51 %)، وحصل دونالد ترمب على 73.8 مليون صوت (47.2 %)، في حين حصل المرشحون الباقون على 2.5 مليون صوت (1.7 %). ورغم أن فرز الأصوات لا يزال جارياً في كاليفورنيا، ونيويورك، وإلينوي، فإن الإقبال على صناديق الاقتراع هذا العام بلغ مستوى غير مسبوق في فترة ما بعد الحرب.

ولكن بسبب نظام المجمع الانتخابي المعمول به في أمريكا، والذي يخصص عدداً أكبر من الناخبين لكل شخص عن ولايات عدد سكانها أصغر، كانت نتيجة هذه الانتخابات متقاربة بشكل أكبر كثيراً مما يوحي به التصويت الشعبي. فعلى الرغم من فوز بايدن في نهاية المطاف بعدد كبير من الولايات المتصارع عليها، فإن هامش الفوز كان ضئيلاً للغاية، بما يعكس فعلياً النتائج التي أعطت ترامب فوزه في عام 2016. في بنسلفانيا، وميتشيجان، وويسكونسن، تحول عدد كافٍ من الجمهوريين والديمقراطيين والمستقلين المعتدلين نحو بايدن ليصنعوا الفارق.

ويُـظـهِـر استعراض أنماط التصويت على مستوى المقاطعات في عامي 2016 و2020 انقساماً حزبياً عميقاً وثابتاً. تمثل المحاور تصويت الديمقراطيين مطروحاً منه تصويت الجمهوريين، معبراً عنه كنسبة مئوية من إجمالي الأصوات في عامي 2016 و2020.

تشير النقطة على الرقم السالب إلى فوز جمهوري في المقاطعة. وفي عموم الأمر، تتركز النقاط بشكل كبير حول خط 45 درجة، حيث كان هامش الفوز أو الخسارة على طوله متماثلاً في كلتا الدورتين الانتخابيتين.

في عموم الأمر، فاز الديمقراطيون في مقاطعات فازوا بها أو خسروها بفارق ضئيل في عام 2016. على نحو مماثل، في مقاطعات فاز فيها الجمهوريون بهامش كبير في عام 2016 (وهي كثيرة)، تميل البيانات إلى إظهار هامش فوز أكبر للجمهوريين في عام 2020.

في الولايات التي شهدت معارك انتخابية محتدمة، استفاد كل من بايدن وترامب من ارتفاع نسبة المشاركة الإجمالية، لكن من الواضح أن استفادة بايدن كانت أكبر. نسبة إلى استطلاعات الرأي السابقة للانتخابات، بما في ذلك استطلاعات شركة YouGov التي قمنا بتحليلها، لم يكن فوز بايدن بفارق ضئيل أو الإقبال الإجمالي الضخم في هذه الولايات مفاجئاً.

كما كانت الحال في عام 2016، حُـسِـمَـت انتخابات 2020 بهوامش ضئيلة للغاية في الولايات التي شهدت معارك انتخابية محتدمة. لكن القصة الأكبر هذا العام كانت الإقبال الهائل على الجانبين. هل يعني هذا أن كلاً من الجانبين وجد أن مرشحه جذاب إلى حد غير عادي؟ إن الناخبين أقبلوا بأعداد غير مسبوقة من الجانبين على صناديق الاقتراع لأنهم لا يرغبون بشكل قاطع في فوز الحزب المعارض.

وكانت هذه «النزعة الحزبية السلبية» متساوقة. فلم يكن الديمقراطيون وقِـلة من الجمهوريين المعتدلين والمستقلين راغبين في أربع سنوات أخرى من ترامب، ويبدو أن أغلب الناخبين الجمهوريين لم يرغبوا في إعادة عصا القيادة إلى النخب «الساحلية» غير الجديرة بالثقة، وأنصار العولمة، ووسائل الإعلام الليبرالية «المتحيّزة»، والمطلعين من الدائرة الداخلية في واشنطن.

يشترك مجلس الشيوخ في بعض الخصائص مع المجمع الانتخابي بشكل أكثر تطرفاً. ذلك أن عدد أعضاء المجلس (اثنين لكل ولاية) لكل ناخب مؤهل يتناسب عكسياً تقريباً مع عدد سكان الولاية. والمقصود بهذا بحكم التصميم ضمان تمثيل مصالح الولايات الأقل كثافة سكانية بشكل فعّـال في العاصمة واشنطن.

ولأن الولايات التسع التي يزيد عدد سكانها على عشرة ملايين نسمة تمثل 51 % من سكان الولايات المتحدة، فإن هذه الولايات ستسيطر فعلياً على الأجندة التشريعية إذا جرى تخصيص مقاعد مجلس الشيوخ بالتناسب مع عدد السكان.

في مواجهة حالة الصحة العامة المتدهورة والتحديات الاقتصادية الضخمة، يتمثل المسار الحكيم لكلا الحزبين في ملاحقة بعض الفرص القائمة للمبادرات الثنائية الحزبية.

لكن المسار الحكيم ليس هو بالضرورة المسار الذي قد يتبعه المرء. الواقع أن المنطقة الأشد وضوحاً للاتفاق بين الحزبين في الوقت الحاضر تتمثل في الافتقار إلى الثقة بين أفراد الجمهور الأمريكي العريض في المؤسسات، والذي أدى إلى شلل السياسات المزمن.

وقد فاز مرشحون من كلا الحزبين الرئيسيين (الجمهوري والديمقراطي) بمقاعد في الكونجرس. والأمر متروك للمسؤولين المنتخبين على جانبي الانقسام الحزبي لضمان فوز البلاد أيضاً. أما الناخبون فهم مسؤولون عن محاسبة هؤلاء المسؤولين إذا أخفقوا.

*حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ علوم الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك.

**أستاذ العلوم السياسية وقيم القيادة في جامعة ستانفورد، وهو كبير زملاء مؤسسة هوفر.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات