في ظل موقف دونالد ترامب والمؤسسة الجمهورية في مواجهة نتيجة انتخابات واضحة، تتعرض الديمقراطية في الولايات المتحدة لهجوم غير مسبوق. ما دام الأمريكيون يثقون في مؤسساتهم الديمقراطية، فليس هناك سبب يدعو للقلق. يمكن تبرير سلوك ترامب، باعتباره نوبة غضب، وسلوك القادة الجمهوريين، باعتباره مُمارسة ساخرة في مسايرة نرجسي يعشقه ناخبو حزبهم.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل مكائد ترامب، وتواطؤ قادة الحزب الجمهوري فيها بهذه السهولة. إن هذا القلق المُتزايد، مُبرر إلى حد ما، لأن التهديد السياسي لا ينبع من سوء سلوك شخص واحد أو أتباعه، بل من إدراك حقيقة مفادها أن حتى الديمقراطية الراسخة عاجزة أمام العدمية.

تستند الديمقراطية إلى مبادئ مُعينة، تتعرض اليوم لهجوم مُستمر في الولايات المتحدة. عادة ما يتم الإعلان عن الحقائق، باعتبارها «زائفة»، لتحل محلها «حقائق بديلة». كما تجري تعبئة المحاكم، ليس للنظر في الأدلة على ارتكاب مخالفات، ولكن لعرقلة أو الحفاظ على سرد ملائم سياسياً.

تم استخدام الضوابط والتوازنات المؤسسية لتحويل الكونغرس إلى مسرح للتقاعس الشديد عن العمل. وقد تم تسييس عملية التعيين القضائي بشكل صارخ. علاوة على ذلك، تم التخلي عن المبادئ الأساسية للديمقراطية الدستورية.

في ظل هذه الظروف، يُصبح السعي من أجل تحقيق مبدأ حكم «الشعب من قبل الشعب من أجل الشعب»، كما ذكر الرئيس الأمريكي السادس عشر إبراهام لنكولن، دون جدوى بشكل واضح. مع تدمير جميع المعايير الضمنية التي يقوم عليها الحكم الذاتي الديمقراطي، لم يعد هناك شيء للدفاع عنه.

ربما أوصلنا العمر المُتقدم لدستور الولايات المتحدة إلى هذه النقطة، لأن أي تحديث من خلال عملية التعديل الرسمية، أصبح مستحيلاً. ولعل المؤسسات المستقلة، مثل المحكمة العليا والاحتياطي الفيدرالي، أصبحت قوية للغاية في مواجهة الكونغرس العاجز.

ومع ذلك، يُشير التاريخ إلى أن هذا قد لا يكون سوى جزء من القضية. ,من الناحية النظرية، لا يمكن لأي تعديل - ولا حتى التصويت بالإجماع لتعديل الدستور - أن يمس هذه المؤسسات. لكن الأمور أكثر تعقيداً من الناحية العملية بطبيعة الحال، لأن رسم خطوط واضحة، ليس مهمة سهلة في لغة القانون الدستوري المفتوحة.

في الواقع، لا توجد ببساطة أداة مؤسسية لا يمكن تحويلها إلى أداة ضد نفس القواعد والمبادئ التي من المفترض أن تحميها. ,في الواقع، نادراً ما تتم الاستفادة من الدروس التاريخية، ما يضعنا أمام إشكالية مُماثلة.

إن مثل هذه المناورات، لن تكون غير قانونية فحسب، لكنها ستنتهك روح الاتحاد الذي يحكمه الإجماع، وبالتالي، فقد تتسم بالنفاق.

لا يمكننا غض الطرف ببساطة عن محاولة الحزب الجمهوري، تقويض مصداقية الانتخابات - الآلية النهائية للمساءلة الديمقراطية.

في الواقع، يساعد فشل أمريكا في معالجة مظالم الماضي - بما في ذلك إخضاع الشعوب الأصلية، والعبودية، والعنصرية، وحرمان الفقراء والمهاجرين والسجناء - على تفسير سبب تراجع الثقة في المؤسسات الديمقراطية في المقام الأول. لطالما كانت المؤسسات الأمريكية عُرضة للهجمات، خاصة بعد أن أصبحت هذه المؤسسات هشة.

قد لا ينجح ترامب ومساعدوه في تدمير الديمقراطية هذه المرة. لكن إذا لم تتم مُحاسبتهم، فسيكون أمامهم الكثير من الفرص للمحاولة مرة أخرى.