ممارسات سياسية تُبطل الزيف والكذب

اتسمت الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية الغريبة بغياب المناظرة الموضوعية في خضم طوفان الوعود. في السياسة، كلما ازداد توظيف الوعود، اتسع الحيز المتاح لكل جانب لاتهام الآخر. ويُـفضي ذلك إلى دوامة من التضليل، ما يجعل المناقشة العقلانية في حكم المستحيل. ومع تولد المزيد من الأكاذيب عن حلول سياسة الاستثناء محل السياسة الطبيعية. ونحن نعلم ذلك لأن الظاهرة ليست جديدة ولا تقتصر على القرن الحادي والعشرين.

التاريخ عامر بالتحذيرات لمجتمع غارق في الأكاذيب. وصف شكسبير المشكلة ببراعة في مسرحياته. في مسرحية «كما تشاء»، يصف مهرج البلاط تتشستون زيادة من سبع مراحل لشدة الردود الحادة: الرابعة تتمثل في «توبيخ الشجاع»، والخامسة «مراجعة المشاكس»؛ والسادسة «الكذب تبعاً للظروف»؛ والسابعة «الكذب المباشر».

مثلها كمثل أي آلية جهنمية، تحرك الكذبة المباشرة الأولى دورة لا نهاية لها من الأكاذيب. تخلق الأكاذيب الحاجة إلى المزيد من الأكاذيب؛ ومع تضخم الأكاذيب، يتصور مروجوها غالباً أن ادعاءاتهم أصبحت أفضل. ولكن من منظور آخرين، تصبح الحلقة متزايدة الضيق واضحة للعيان مع أبسط أنواع الكذب: تشويه الحقائق.

لا بد من أن يكون من السهل فضح التلاعب بالحقائق. بدأ ترامب رئاسته بقول مفاده أن الجمهور الذي حضر تنصيبه أكبر من الحشد الذي حضر تنصيب الرئيس باراك أوباما قبل أربع سنوات. وَجَـدَ الحكام المستبدون في القرن العشرين أن تكتيك «الكذبة الكبرى» جذاب للغاية، فجعلوا منه نقطة محورية لممارسة السلطة.

ينطوي شكل آخر من أشكال الكذب على التبسيط غير المناسب الذي لا يمكن فضحه بسهولة. هنا، يعمل ادعاء السياسي على منع أو استباق أي مناقشة أكثر تعقيداً للقضية الأساسية.

في عهد ترامب، ارتفع العجز الثنائي لأمريكا مع الصين في مستهل الأمر في الفترة من 2016 إلى 2018، ولكنه بعد ذلك انخفض، وهو ما يرجع جزئياً إلى تعريفات ترامب الجمركية.

في كل الأحوال، نادراً ما تكون العوامل الاقتصادية وراء التصريحات البسيطة ظاهرياً في المناظرات الرئاسية واضحة. والأمر الأقل وضوحاً هو ما تسعى السياسة الأساسية إلى تحقيقه. هل من المفترض أن تؤمن السياسة الاقتصادية أفضل صفقة للمستهلكين الأمريكيين؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن فرض التعريفات خطأ. هل الهدف هو الحفاظ على الوظائف الأمريكية؟

أخيراً، هناك الكذبة الإيديولوجية، التي يتلخص الغرض الأساسي منها في إخراج العملية السياسية الطبيعية عن مسارها. لا يستطع مدققو الحقائق رصد مثل هذا النوع من الكذب بسهولة. في مقال بارز بعنوان «لا تعش بالأكاذيب»، نُـشِـر في عام 1974 قبل وقت قصير من اعتقاله، أشار ألكسندر سولجينتسين إلى أن الأفكار، وليس التصريحات الوقائعية البسيطة، هي التي تجعل الأكاذيب مقنعة. «إذا لم نلصق معاً عظام وقشور الإيديولوجية، إذا لم نَـخِـط الخرق المهترئة معاً، فسوف نندهش إزاء السرعة التي ستصبح بها الأكاذيب عاجزة عديمة الحيلة ثم تنحسر وتخمد. وبهذا، فإن ما يجب أن يكون عارياً يظهر عارياً حقاً أمام العالم أجمع». على نحو مماثل، رأى رجل الحقيقة التشيكي العظيم فاتسلاف هافيل أن «قوة المستضعفين» تكمن في رفض صِـغـار الناس قبول الكذبة الكبرى.

دعا سولجينتسين وهافيل إلى مقاومة مسيرة الأكاذيب. وطالبا بالعودة إلى سياسة الصدق والمصارحة ــ إبطال حالة الكذب والزيف المنتشرة في كل مكان. هذه الفرصة سانحة للأمريكيين الآن ــ ولكن ليس فترة أطول كثيراً.

* أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة برينستون، وكبير زملاء مركز إبداع الحوكمة الدولية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات