الانتخابات الأمريكية وأبعادها

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

أشارت استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة لفترة طويلة إلى احتمال قوي لنجاح الحزب الديمقراطي في اكتساح الانتخابات في الثالث من نوفمبر، مع فوز جو بايدن بالرئاسة واكتساب الديمقراطيين السيطرة على مجلس الشيوخ الأمريكي واحتفاظهم بمجلس النواب، على النحو الذي يضع حداً لانقسام الحكومة.

ولكن إذا تبين أن الانتخابات كانت في الأغلب استفتاء على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد يفوز الديمقراطيون بالبيت الأبيض فقط في حين يفشلون في استعادة مجلس الشيوخ. ولا يستطيع المرء أن يستبعد احتمال إبحار ترامب عبر مسار ضيق إلى الفوز بالمجمع الانتخابي، ونجاح الجمهوريين في الاحتفاظ بمجلس الشيوخ، وبالتالي إعادة إنتاج الوضع الراهن.

الاحتمال الأكثر شؤماً هو التوصل إلى نتيجة متنازع عليها لفترة طويلة، حيث يرفض كلا الجانبين التنازل في حين يخوضان معارك قانونية وسياسية بغيضة في المحاكم، ومن خلال وسائل الإعلام، وفي الشوارع. في انتخابات عام 2000 المتنازع عليها، استغرق الأمر حتى الثاني عشر من ديسمبر، للبت في الأمر: أصدرت المحكمة العليا حكماً لصالح جورج دبليو بوش، فأذعن منافسه الديمقراطي آل جور بلباقة. بفعل حالة التشكك وانعدام اليقين السياسي، هبطت سوق البورصة خلال تلك الفترة بنسبة تجاوزت 7 %. هذه المرة، ربما تستمر حالة عدم اليقين لفترة أطول كثيراً ــ ربما حتى لعدة أشهر ــ مما يعني مخاطر حقيقية تهدد الأسواق.

الواقع أن هذا السيناريو المروع يجب أن يؤخذ على محمل الجد، حتى وإن كان يبدو غير مرجح حالياً. فعلى الرغم من تقدم بايدن المستمر في استطلاعات الرأي، فإن هذه أيضاً كانت حال هيلاري كلينتون عشية انتخابات 2016. ويبقى لنا أن نرى ما إذا كان ليحدث ارتفاع طفيف في أعداد ناخبي ترامب «الخجولين» في الولايات المتأرجحة «الذين لا يرغبون في الكشف عن تفضيلاتهم الحقيقية لمنظمي استطلاعات الرأي».

علاوة على ذلك، كما كانت الحال في عام 2016، تجري الآن على قدم وساق حملات تضليل ضخمة (أجنبية ومحلية). وقد حذرت السلطات الأمريكية من محاولات نشطة تبذلها قوى أجنبية معادية أخرى، للتأثير على الانتخابات والتشكيك في شرعية عملية الاقتراع. ويغمر المتصيدون والبرامج الروبوتية وسائط التواصل الاجتماعي بنظريات المؤامرة، والأخبار الزائفة، والتلفيق العميق، والمعلومات المضللة.

في الواقع، إذا لم تُـشِـر النتائج الأولية المسجلة في ليلة الانتخابات على الفور إلى اكتساح من جانب الديمقراطيين، فيكاد يكون من المؤكد أن يعلن ترامب النصر في الولايات التي لا تزال تشهد معتركاً انتخابياً قبل إحصاء وفرز جميع بطاقات الاقتراع الواردة بالبريد. والنشطاء الجمهوريون لديهم خطط بالفعل لتعليق الفرز في ولايات رئيسية من خلال الطعن في صحة هذه البطاقات. وسوف يشنون هذه المعارك القانونية في عواصم الولايات التي يسيطر عليها جمهوريون، والمحاكم المحلية والفيدرالية مكدسة بقضاة معينين بواسطة ترامب، ومحكمة عليا يغلب عليها المحافظون بنسبة 6 إلى 3، ومجلس نواب، حيث يسيطر الجمهوريون على غالبية وفود الولايات في حال التعادل في المجمع الانتخابي.

في الوقت ذاته، قد تنزل كل الميليشيات المسلحة البيضاء التي «تقف مستعدة» الآن إلى الشوارع للتحريض على العنف والفوضى. والهدف يتلخص في استفزاز العنف المضاد من جانب اليساريين. تكمن المشكلة في أن أي شيء أقل من انتصار ساحق لصالح بايدن من شأنه أن يترك الفرصة لترامب (والحكومات الأجنبية التي تدعمه) لزيادة الأمور تعقيداً على تعقيد بالفوضى والمعلومات المضللة في حين يناور لتحويل القرار النهائي إلى مواقع أكثر تعاطفاً مثل المحاكم.

قد تفضي هذه الدرجة من عدم الاستقرار السياسي إلى إشعال شرارة موجة كبرى من العزوف عن المجازفة في الأسواق المالية في وقت، حيث يتباطأ الاقتصاد بالفعل وتظل آفاق التحفيز الرسمي الإضافي قاتمة في الأمد القريب.

أمر واحد مؤكد هو أن الانتخابات المتنازع عليها بشدة من شأنها أن تلحق المزيد من الضرر بصورة أمريكا العالمية كنموذج للديمقراطية وسيادة القانون، فتتآكل قوتها الناعمة. كانت البلاد على مدار السنوات الأربع الأخيرة على وجه الخصوص تبدو على نحو متزايد على أنها حالة مختلة سياسياً. بينما نأمل أن لا تتحقق النتائج الفوضوية الموضحة أعلاه ــ حيث لا تزال استطلاعات الرأي تُـظـهِـر تقدم بايدن بقوة ــ فيجب أن يكون المستثمرون مستعدين للأسوأ، ليس فقط في يوم الانتخابات بل وأيضاً في الأسابيع والأشهر التالية.

* أستاذ علوم الاقتصاد بكلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، وهو مضيف إذاعة NourielToday.com.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات