عندما أصبح دونالد ترامب المرشح لمنصب الرئاسة عن الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة عام 2016، توقع كثيرون أن يخفف من حِدة خطابه التحريضي أثناء الحملة الانتخابية ضد هيلاري كلينتون من أجل اجتذاب الناخبين المعتدلين.
وبعد انتخاب ترامب دون أن يُـبـدي مثقال ذرة من ضبط النفس المأمول، قال كثيرون إن الرئاسة والجمهوريين في الكونغرس سيحملونه على تبني لهجة أكثر وقاراً.اليوم، بتنا نعلم كم كانت تلك التوقعات ساذجة.
إن أكبر مكمن خطر الآن هو حقيقة مفادها أن الحزب الجمهوري وحكومة الولايات المتحدة أفرغا ذاتيهما في قالب نمطي يركز على النزعة القومية، وهو ما انعكس في شعارات مثل «أمريكا أولاً» و«لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» والنظر إلى العلاقات الدولية على أنها مباراة محصلتها صِـفر.
أخيراً، أظهرت امركيا جانباً غير ليبرالي، فازدرت الإدارة الحالية الضوابط والتوازنات المؤسسية وحـط من قدر المنافذ الإعلامية الأمريكية لنشرها «أخبار كاذبة» (كان ذلك أشبه بمن يلقي حجراً من داخل بيته الزجاجي). على المستوى الدولي، دعم ترامب سلسلة من القادة غير الليبراليين، الذي يهتمون مثله ببقائهم السياسي أكثر من اهتمامهم بالصحة الديمقراطية في بلدانهم. ولا يستخدم هؤلاء القادة مصطلح حقوق الإنسان إلا عندما يستحضرونه على نحو انتقائي لأسباب تتعلق بمصالحهم الذاتية.
في ظل الإدارة الحالية، تخلّت الولايات المتحدة صراحة عن الوصاية على «النظام الليبرالي». لكن لا ينبغي لنا أن نخدع أنفسنا بالاعتقاد بأن فوز منافسه الديمقراطي يعني عودة فورية إلى عالم الأمس.
فعلى الرغم من كل الاختلافات الجذرية بين المرشحين، لا يخلو برنامجيهما الانتخابيين من بعض العناصر المشتركة. في كل الأحوال، من الخطأ إضفاء الطابع المثالي على الماضي والتطلّع إلى إعادة إنتاجه.
الواقع أن الفترة التي تولّت فيها أمريكا الأمور باعتبارها قوة عالمية رائدة لم تخلُ من سقطات ونقاط مضيئة، وكانت المشاكل البنيوية التي تعاني منها البلاد قائمة قبل فترة طويلة من تولّي ترامب منصبه (الواقع أن بعض هذه المشاكل تساعد في تفسير انتخابه في عام 2016). ويصدق القول ذاته على التوتّرات العديدة التي تبتلي النظام الدولي حالياً.
لذا، يتعين علينا أن ننحي الحنين إلى الماضي جانباً، ونركّز اهتمامنا على مواجهة عالم الغد. إننا نحتاج أيضاً إلى ضوابط تنظيمية عالمية جديدة في مواجهة التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي وغير ذلك من التكنولوجيات الناشئة.
وبطبيعة الحال، يتعين علينا أن نواصل التقدّم بثبات على مسار مكافحة تغيّر المناخ. أعلنت الصين مؤخراً اعتزامها تحقيق هدف الحياد الكربوني بحلول عام 2060، في حين جعلت المفوضية الأوروبية برئاسة أورسولا فون دير لاين الصفقة الأوروبية الخضراء واحدة من أولوياتها الرئيسية. وهذا هو الخيط الذي يتعين علينا أن نتبعه.
الحق أن الكثير من مصالح أمريكا والعالم معلّق على الثالث من نوفمبر. ورغم أن إدارة بايدن المحتملة لن تحل كل المشاكل التي قد ترثها، فإنها ستسمح للولايات المتحدة بتجديد التزاماتها التي هجرتها، والتعامل مع حلفائها الغربيين كشركاء وأصدقاء حقيقيين، وإعادة اكتشاف سياسة خارجية أقل ميلودرامية وأكثر عقلانية.
من ناحية أخرى، ستؤدي إعادة انتخاب ترامب إلى تعميق الاتجاهات الموصوفة هنا، وتوسيع هوة الخلاف بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بل وربما حتى إلحاق ضرر لا يمكن إصلاحه بالتعاون الدولي.
أياً كانت نتيجة الانتخابات الأمريكية، سيكون لزاماً على العالم أن يتعامل مع واقع بسيط وغير قابل للتغيير: لا تستطيع أي دولة، مهما بلغت من أهمية، أن تواجه بمفردها التحديات العالمية التي تهددنا جميعاً.
* الممثل الأعلى الأسبق للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، وأمين عام منظمة حلف شمال الأطلسي ووزير خارجية إسبانيا سابقاً
