في عام 2018، قيل إن شركة الاستشارات السياسية في أمريكا، كمبريدج أناليتيكا (Cambridge Analytica)، التي لم يعد لها وجود اليوم، نشرت أخباراً مزيفة عن عمد على وسائط التواصل الاجتماعي من أجل إقناع الأمريكيين بالإدلاء بأصواتهم لصالح جهة محددة في انتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2016. منذ ذلك الحين، أزالت منصات مثل فيسبوك وتويتر ملايين الحسابات المزيفة و«الروبوتات» التي كانت تنشر قصصاً كاذبة. استلزمت عملية «إزالة الأعشاب الضارة» هذه أن تستخدم المنصات ذاتها خوارزميات الذكاء الاصطناعي للعثور على الحسابات المشبوهة.

إن اعتمادنا على شركات تتربح من خلال السماح للمعلومات المضللة بالتقدم إلى الصدارة في مراقبة الحقيقة يعكس المأزق الذي أوقعتنا فيه التكنولوجيا الرقمية. الواقع أن منصات مثل فيسبوك وتويتر ليس لديها أي حافز لضمان ظهور المعلومات «الحقيقية» فقط على مواقعها. على العكس من ذلك، تجني هذه الشركات المال من خلال جمع بيانات المستخدمين واستخدامها لبيع الإعلانات التي يمكن توجيهها على نحو فردي. وكلما طال الوقت الذي يقضيه المستخدم على فيسبوك أو تويتر، وكلما ازدادت مرات إعجابه أو نقره أو نشره، ازداد ربح هذه المنصات ــ بصرف النظر عن المد المتصاعد من المعلومات المضللة و«الروابط الخداعية».

يتغذى هذا المد الصاعد جزئياً على استغلال علم النفس. وَجَـدَ باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن معدل إعادة نشر القصص الإخبارية الكاذبة على موقع تويتر من قِـبَـل مستخدمين آخرين في الفترة من 2006 إلى 2017 كان أكثر بنحو %70 من معدل إعادة نشر القصص الإخبارية الحقيقية. والتفسير الأكثر منطقية لهذه الظاهرة هو أن الأخبار الكاذبة تحمل قيمة بدعية أكبر مقارنة بالحقيقة، وأنها تستفز ردود فعل أقوى، وخاصة المفاجأة والاشمئزاز. كيف يتسنى إذاً للشركات التي تكسب المستخدمين والأرباح من الأخبار الكاذبة أن تعمل كحراس جديرين بالثقة للأخبار الحقيقية؟

وعد زائف

بالإضافة إلى هذا، ازدادت فرص نشر المعلومات المضللة. فقد عملت وسائط التواصل الاجتماعي على تضخيم جمهور القصص من جميع الأنواع بشكل كبير، لتتواصل بالتالي العملية التي بدأت باختراع يوهانسن جوتنبرج للمطبعة من النوع المتحرك في القرن الخامس عشر. فكما ساعد اختراع جوتنبرج في انتزاع السيطرة على إنتاج المعرفة من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، أضفت وسائط التواصل الاجتماعي طابعاً لا مركزياً على الطريقة التي نتلقى بها المعلومات ونفسرها. كان وعد الإنترنت العظيم بنشر الديمقراطية متمثلاً في عملها على تمكين الاتصال دون قيود هرمية من أعلى إلى أسفل. لكن النتيجة كانت معادلة مصداقية المعلومات، بصرف النظر عن مصدرها.

3 عوامل

لقد أصبحت اكتشافات العلم هي الحقيقة. ولكن الآن، حتى العلم أصبح موضع شك. لقد وضعنا إيماننا في الدليل باعتباره الطريق الملكي إلى الحقيقة. لكن الحقائق يمكن التلاعب بها بسهولة. وقد دفع هذا أنصار ما بعد الحداثة إلى الزعم بأن كل الحقيقة نسبية؛ الأسوأ من ذلك أنها تُـنـشأ بواسطة الأقوياء لتمكينهم من الحفاظ على سلطتهم.

وعلى هذا فإن الحقيقة، مثلها كمثل الـجَـمال، تكمن في عين الناظر. وهذا يترك مجالاً واسعاً لكل جانب ليروي قصته، ولا يزعج نفسه كثيراً بدقتها الفعلية. في عموم الأمر، من المحتم أن تعمل هذه العوامل الثلاثة ــ النفس البشرية، وتضخيم الرسالة بالاستعانة بالتكنولوجيا، وثقافة ما بعد الحداثة ــ على توسيع مملكة السذاجة ونظريات المؤامرة.

أبعاد مستقبلية

هذه مشكلة بالغة الخطورة، لأنها تزيل الأرضية المشتركة التي يمكن أن يدور عليها الحوار الديمقراطي والتداول. لكني لا أرى إجابة واضحة. أنا لا أضمر أي ثقة في رغبة شركات وسائط التواصل الاجتماعي أو قدرتها على مراقبة منصاتها. فهي تعلم أن المعلومات «الزائفة» من الممكن أن تخلف عواقب سياسية وخيمة. لكنها تعلم أيضاً أن نشر قصص مقنعة، بصرف النظر عن صدقها أو عواقبها، أمر مربح للغاية.

الحافز الوحيد الذي قد يدفع هذه الشركات إلى معالجة مشكلة الأخبار الزائفة هو الحد من الانتقادات الحادة التي جلبتها عليها. ولكن ما لم يخدم التمسك بالحقيقة أرباحها الصافية، فمن غير المجدي أن نتوقع منها أن تغير مسارها. أكثر ما يتمناه المرء هو أن تبذل جهوداً مرئية، وإن كانت سطحية، لإزالة المعلومات أو الاستدلالات المضللة من مواقعها. لكن أعمال الرقابة الأدائية هي مجرد واجهة مزخرفة لا ترسل أي إشارة أكبر. فهي لا تخدم إلا كسبب لإثارة غضب أنصار محددين وتهدئة الضمائر المضطربة بين خصومه الليبراليين.

حل واقعي

والبديل ــ ترك مسألة مراقبة الرأي لسلطات الدولة ــ غير مستساغ بذات القدر، لأنه كفيل بإحياء الادعاء الذي لم يعد من الممكن الدفاع عنه بوجود مصدر منفرد للحقيقة، سواء كانت مقدسة أو علمانية، وأنها ينبغي لها أن تحكم الإنترنت.

ليس لدي حل لهذه المعضلة. وربما يكون أفضل نهج متمثلاً ببساطة في أن نطبق على وسائط التواصل الاجتماعي مبدأ النظام العام الذي ينص على أن التحريض على الكراهية العنصرية جريمة. آنئذ فقط تصبح منصات مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما ملزمة قانوناً بإزالة المواد التي تحرض على الكراهية. وأي قرار من جانبها لا بد أن يكون قابلاً للاختبار في المحكمة.

لا أعرف مدى فعالية مثل هذا التحرك. لكنه أفضل بكل تأكيد من مواصلة الجدال العقيم الذي لا ينتهي حول وصف وكينونة الخبر «الزائف».

* عضو مجلس اللوردات البريطاني، وأستاذ الاقتصاد السياسي الفخري في جامعة واريك.