قبل جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد 19)، كان كثيرون في العالم النامي يشعرون بالرضا والارتياح لمستقبلهم.

في عموم الأمر، كانت البلدان النامية تعافت بسرعة من أزمة الركود الأعظم في الفترة 2009 ـ 2010، وكان كثيرون -خاصة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية- يتمتعون بالفوائد المترتبة على الطلب المتنامي بلا انقطاع من قِـبَـل الصين على النفط، والمعادن، والسلع الزراعية. وكانت التوقعات في ارتفاع.

ولكن لم تكن هذه هي الحال في الولايات المتحدة، حيث كانت فوائد النمو الاقتصادي منذ ثمانينات القرن العشرين موجهة إلى من هم أثرياء بالفعل، مع تدهور أحوال المنتمين إلى الطبقة المتوسطة والفقراء على نحو متزايد. يعزو العديد من المحللين صعود اليمين الشعبوي، إلى هذه الاتجاهات.

ففي حين تقلصت الطبقة المتوسطة، انزلقت مجموعة متنامية من الطبقة العاملة من ذوي البشرة البيضاء إلى اليأس. ويشعر كثيرون بالغضب والإحباط إزاء خسارة الوظائف بسبب العولمة، وإهمال الحكومة في مواجهة وباء انتشار تعاطي المواد الأفيونية، والبرامج الاجتماعية التي تعاني من نقص التمويل، بل وحتى الرأسمالية ذاتها التي يحركها الربح.

في القرن الحالي، بدأ التماسك الاجتماعي والشعور المشترك بالتقدم الأخلاقي ينحل، ما جعل الجسد السياسي عُرضة على نحو متزايد لجاذبية الشعبوية غير الليبرالية.

تحمل هذه التجربة بعض الدروس للبلدان النامية. فالتوقعات المُحبَطة ضارة ليس فقط لصحة الأفراد ورفاهتهم، بل وأيضاً لقدرة المجتمع على بناء وترسيخ الأعراف والمؤسسات الديمقراطية.

كان النمو الاقتصادي في العالم النامي في عموم الأمر أقوى وأكثر ثباتاً منه في الولايات المتحدة لأكثر من جيل كامل. فقد انطلقت الصين والهند في تسعينيات القرن العشرين، وحذت حذوهما معظم المناطق النامية الأخرى بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك -وبشكل أكثر درامية- منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا.

كان هذا النمو شاملاً بالقدر الكافي لانتشال عشرات الملايين من الناس من الفقر المدقع، لكنه لم يكن بالضرورة كافياً لضمان مكان لهم في الطبقة المتوسطة. بدلاً من ذلك، نشأت طبقة جديدة ضخمة من «المكافحين» الذين تتدبر أسرهم أمورها بما يتراوح بين 4 إلى 10 دولارات في اليوم للفرد.

ورغم أن المكافحين أفضل حالاً من الفقراء، فإنهم يفتقرون إلى الرواتب المنتظمة والتأمين الاجتماعي، وهم بالتالي عُـرضة للصدمات الأسرية مثل الأزمات الصحية أو الخسارة المفاجئة للعمل أو الوظيفة. أغلب هؤلاء يعملون لحسابهم الخاص أو ينتمون إلى فئة العمال غير الرسميين، وهم طموحون في السعي إلى تحقيق مستقبل أفضل ويخشون الخطر المستمر المتمثل في الانزلاق إلى براثن الفقر مرة أخرى.

بمرور الوقت، ساعد النمو الاقتصادي في رفع مستوى بعض المكافحين إلى طبقة متوسطة ضخمة وسريعة النمو، بدخول يومية تتراوح بين 10 إلى 50 دولاراً للفرد. مع ذلك، سنجد أن أسر الطبقة العاملة المكافحة هي السائدة في العالم النامي، حيث تشكل نحو 60 % من الناس، في حين تشكل أسر الطبقة المتوسطة 20 % أخرى، وتمثل الأسر التي تعيش فقراً مدقعاً نحو 12 %، والأسر الثرية 8 %.

تشير تقديرات آندي سومنر وزملائه المشاركين له في الأبحاث في King’s College London إلى أن الانكماش الناجم عن جائحة (كوفيد 19) في البلدان النامية من شأنه أن يدفع نحو 180 مليون شخص إلى ما دون عتبة الفقر المدقع (1.90 دولار يومياً).

من ناحية أخرى، قد يجد أفقر المكافحين من فترة ما قبل الجائحة أنفسهم فجأة بين من يعانون «الفقر المدقع»، بل إن عدداً أكبر من المكافحين الباقين -نحو 400 مليون وفقاً لتقديرات البنك الدولي- معرضون لانخفاض حاد في الدخل أثناء الركود الحالي.

تُـرى ماذا يعني أن يجد الملايين من البشر أنفسهم في حال أسوأ مما كانوا يتوقعون، دون أي خطأ أو جُرم ارتكبوه؟ تُـظهِـر تجربة أمريكا اللاتينية أنه عندما تعاني شريحة عالية الصوت في المطالبة بحقوقها من انقلاب حاد في التوقعات، تكون النتيجة التوتر الاجتماعي والاستقطاب السياسي على طريقة الولايات المتحدة.

في ظل (كوفيد 19)، يخضع العالم النامي لضغوط سياسية ومالية شديدة. وبدون عملاتها الخاصة القابلة للتداول، لا تستطيع هذه البلدان الاقتراض من مواطني المستقبل لتلبية احتياجاتها الفورية.

نظراً للمخاطر المتمثلة في تآكل التماسك الاجتماعي، وعدم الاستقرار السياسي، وعودة الاستبداد والشعبوية إلى الظهور، يتعين على صندوق النقد الدولي والبنوك المتعددة الأطراف أن تقدم برامج إقراض أكبر كثيراً للبلدان المتوسطة الدخل. ويجب أن تكون هذه البرامج بسيطة ومباشرة.

* كبيرة زملاء مركز التنمية العالمية ورئيسته الفخرية.