على الرغم من أن الدور الحقيقي الذي تضطلع به الحكومات في المجتمع محل قدر كبير من النقاشات، فإن قِـلة من الناس قد يجادلون في أن إنفاذ القانون يقع ضمن اختصاص الدولة. لكن الحكومات تغض الطرف، على نحو متزايد، عندما يتعلق الأمر بفرض القوانين ضد الجرائم الأكثر تحقيقاً للربح في العالم: الاحتيال، والاختلاس، والتهرب الضريبي، والرشوة، وغسل الأموال، وهي الجرائم التي يرتكبها مجموعة من الموسرين.

ربما يكون بوسعنا أن نعزو هذا الإخفاق جزئياً إلى نقص الموارد. إن سلطات إنفاذ القانون ليست نِـداً في كثير من الأحيان للأساليب المعقدة التي يستخدمها المجرمون من ذوي الياقات البيضاء (أصحاب المهن المرموقة اجتماعياً الذين يرتكبون جرائم اقتصادية أو إدارية كغسل الأموال، والاختلاس، وسرقة المال العام)، والتي تُـنَـفَّـذَ بمساعدة محامين ومحاسبين يتقاضون أجوراً باهظة. لكن المشكلة الأكبر هي أن جهود إنفاذ القانون أصبحت موجهة على نحو متزايد، ليس ضد المجرمين، بل ضد الصحافيين الذين يحاولون فضح جرائمهم.

رغم أن ممارسات مثل الاحتيال، والاختلاس، والتهرب الضريبي، وغسل الأموال، لا تزال تُـصَـنَّـف على أنها جرائم في معظم البلدان، فإن إنفاذ القانون في حق مرتكبيها يشهد تدهوراً سريعاً في الكثير من البلدان. وقد يزعم بعض المراقبين أن إنفاذ القانون على هذا النحو لا يستحق الجهد المبذول. في مقال يحمل اسم رواية فيودور دوستويفسكي الشهيرة، «الجريمة والعقاب: منظور اقتصادي»، زعم الاقتصادي الراحل جاري بيكر الحائز على جائزة نوبل أن السؤال الرئيسي المطروح في ما يتصل بإنفاذ القانون لا يدور حول الأخلاق بقدر ما يرتبط بالتكاليف. تساءل بيكر: «لأن إنفاذ القانون في حد ذاته ليس بلا تكلفة، فما هو حجم الموارد ودرجة العقاب التي يجب استخدامها لفرض أنواع مختلفة من التشريعات... كم عدد الجرائم التي ينبغي السماح بها وكم عدد المجرمين الذين ينبغي أن يذهبوا بلا عقاب؟».

زعم بيكر أن مثل هذه التساؤلات المعيارية ينبغي تحديدها من خلال صافي «الخسارة الاجتماعية»، بمعنى الفارق بين الأضرار التي تلحق بالمجتمع والمكاسب التي يحققها المجرمون. بهذا المنطق، يترتب على ذلك أنه كلما ارتفعت مكاسب المجرمين يزداد احتمال إبطال الخسارة الاجتماعية، وخاصة في ضوء التكاليف المرتفعة اللازمة لضبط جرائم ذوي الياقات البيضاء.

يبدو أن هيئات إنفاذ القانون في دول عدة بعالمنا، استجابت لنصيحة بيكر. فبدلاً من مكافحة الجريمة المربحة للمجرمين حيث الكشف عنها مكلف، وجهت هذه الهيئات مواردها المحدودة ضد أولئك الذين يحاولون فضح هذه الجرائم ذاتها وتواطؤ الدولة فيها.

وعلى هذا فعندما علمت شبكة مكافحة الجرائم المالية في الولايات المتحدة أن الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين كان على وشك الإبلاغ عن آلاف من التقارير حول أنشطة مشبوهة لم تلق استجابة والتي جرى رفعها إلى الوكالة، سارعت إلى إصدار بيان حذرت فيه من أن النشر غير المصرح به لوثائق قد تعرض الأمن الوطني للخطر يشكل جريمة. وأضافت الوكالة إن وزارة العدل الأمريكية أخـطُـرَت بالأمر بالفعل.

لكن الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، الذي لم يردعه هذا البيان، عَـرَضَ كشفه حول «ملفات شبكة مكافحة الجرائم المالية» في العشرين من سبتمبر، والذي أوضح بالتفصيل كيف قامت بنوك عالمية كبرى برفع التقرير تلو التقرير حول أنشطة مشبوهة لكنها استمرت رغم ذلك في جني الأرباح من أنشطة العملاء المشبوهين الذين كانوا ينقلون مليارات، إن لم يكن تريليونات، الدولارات.

بموجب القانون الحالي، لا يُـلزِم رفع تقرير حول أنشطة مشبوهة أي من تلك البنوك المدانة بالتوقف عن تقديم الخدمات للعميل محل التساؤل، أوعلى الأقل إطلاق إشارة تحذير داخل تلك المؤسسة. لكنها لم تفعل. بل واصلت البنوك تلك على مسارها واستمرت في إغراق وكلاء شبكة مكافحة الجرائم المالية، الذين يتقاضون أجوراً متدنية ويجبرون على العمل إلى حد الإنهاك، بالأعمال الورقية.

* أستاذة القانون المقارن في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا.