إن احتجاجات شعب روسيا البيضاء في الشوارع بإعداد غير مسبوقة وهم يرفضون الخضوع للترهيب من خلال العنف الذي تمارسه الدولة تعني أنه من الواضح أن رئيس روسيا البيضاء ألكسندر لوكاشينكو قد فشل في سرقة انتخابات أخرى وإطالة فترة حكمه، وبكل المقاييس فإن أيام بقائه في السلطة قد أصبحت معدودة.
إن العديد من المعلقين يقارنون بين الوضع في روسيا البيضاء والثورة البرتقالية وثورة الميدان في أوكرانيا في 2005-2004 و2014 على التوالي، ولكن روسيا البيضاء ليست أوكرانيا كما أنه لا يمكن تطبيق نموذج الميدان على المشهد الحالي في مينسك وغيرها من المدن والبلدات في روسيا البيضاء.
على الرغم من عدم وجود شك بأن القضايا المحلية المتعلقة بالفساد وسوء الإدارة لعبت دوراً في التطورات السياسية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة في أوكرانيا، فلقد كان العامل الفاصل هو الرغبة في أن تنضم أوكرانيا للمجموعة الأوروبية. لقد كانت حركة الميدان رداً مباشراً على محاولة الرئيس الأوكراني آنذاك فكتور يانكوفيتش التخلي عن قضية الاندماج الأوروبي والإصلاح. لقد احتشد الثوار بشكل علني تحت راية الاتحاد الأوروبي.
إن الانتفاضة في روسيا البيضاء مختلفة، حيث من الواضح أن المخاوف الداخلية تلعب الدور الأبرز والأسئلة عن توجّه البلاد تجاه أوروبا أو روسيا غائبة تقريباً. وبينما كل ثورة سياسية يجب أن تختط طريقاً لنفسها، فإن هناك نماذج متوفرة يمكن أن تساعد المراقبين الأجانب على فهم ما الذي قد يحدث بالمستقبل، وفي هذه الحالة لا أرغب في أن أقارن الوضع في روسيا البيضاء بالوضع في أوكرانيا، بل أرغب في مقارنته بالوضع في أرمينيا في ربيع سنة 2018، وذلك عندما أدت التظاهرات العارمة إلى استقالة الرئيس منذ فترة طويلة سيرج سركسيان ودخول البلاد في حقبة ديمقراطية جديدة.
لقد كانت أرمينيا أيضاً تتمتع دائماً بعلاقات وثيقة مع روسيا لأسباب تاريخية واستراتيجية، وفي سنة 2013 امتنعت أرمينيا عن الانضمام لجورجيا ومولدوفا وأوكرانيا في الدخول في اتفاقية التجارة الحرة العميقة والشاملة مع الاتحاد الأوروبي، حيث اختارت عوضاً عن ذلك الانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأورواسيوي الذي تتزعمه روسيا.
في ظل ظروف مثالية فإن الثورة الأرمنية قد تشكل نموذجاً يحتذى به لروسيا البيضاء، فالهدف الفوري هو إدارة انتقالية تمهد الطريق لانتخابات رئاسية جديدة بوجود مراقبة دولية، ومن أجل التحقق من أن تسير هذه العملية بسلاسة، يتوجب الإبقاء على التوجه الخارجي لروسيا البيضاء بعيداً عن المشهد الحالي.
حتى نخلق الظروف اللازمة «للنموذج الأرمني»، يتوجب على الاتحاد الأوروبي صياغة عقوباته القادمة بعناية، بحيث تستهدف فقط الأفراد المسؤولين عن التزوير الواضح للانتخابات وما حصل لاحقاً لذلك من قمع عنيف للمحتجين. إن أي عمل قد يؤدي لأن يدفع مجتمع روسيا البيضاء واقتصاده بشكل عام الثمن سيؤدي لنتائج عكسية.
ونظراً لأن اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي على غرار أوكرانيا لن تكون خياراً مطروحاً فإن الأولوية يجب أن تتجه لضم روسيا البيضاء لمنظمة التجارة العالمية ودعمها من خلال صندوق النقد الدولي. إن كلتا العمليتين ستؤديان إلى خلق الظروف المناسبة لعمل إصلاحات اقتصادية محلية، حيث يحدونا الأمل أن يتبنى النظام الديمقراطي تلك الإصلاحات بسرعة.
إن الوضع في روسيا البيضاء ليس صراعاً جيوسياسياً، بل هو موضوع محلي يتعلق بشعب روسيا البيضاء ونظام أصبح فاقداً للشرعية وغير مفيد. إن بإمكان الدبلوماسية الغربية أن تساعد شعب روسيا البيضاء أن يحققوا نتيجة ديمقراطية، ولكن فقط لو تم عمل ذلك بحكمة.
