ناقش قادة الاتحاد الأوروبي، في الفترة الماضية، محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن صندوق التعافي، الذي اقترحه الاتحاد، والذي تبلغ قيمته 750 مليار يورو (852 مليار دولار).
وتختلف الدول الأعضاء حالياً حول قضايا عدة، بما في ذلك حصص المنح والقروض في الحزمة، والشروط التي يجب إرفاقها بالنفقات المصروفة، إن وجدت. ولكن، بمجرد أن يتوصل القادة إلى اتفاق، سيكون السؤال الأكثر أهمية هو كيف ينبغي للدول الأعضاء إنفاق المال. والجواب عن هذا السؤال بعيد عن الوضوح.
لدى الحكومات هدفان يُحتمل أن يكونا متضاربين. أولاً، تحتاج الاقتصادات الأوروبية إلى زيادة في الطلب لتعويض القيود المفروضة على أشكال الاستهلاك «الاجتماعية» (المطاعم، وقاعات الحفلات الموسيقية، وما شابه ذلك)، ولدعم إنفاق الأشخاص الذين انخفضت دخولهم.
وفي ورقة عمل صدرت أخيراً، استخدم الباحثون في معهد أيفو في ميونيخ، دراسات استقصائية للشركات الألمانية، ليُظهروا أن «كوفيد 19» له تأثير انكماشي حالياً. وهذا يشير إلى أن القيود المفروضة على الطلب أكبر من تلك المفروضة على العرض.
ثانياً، تحتاج الدول الأوروبية إلى الاستفادة من الفرص الرقمية بصورة كاملة، وإحراز تقدم أسرع نحو الحياد الكربوني خلال العقد المقبل. ولذلك اقترحت المفوضية الأوروبية أن تنفق الدول الأعضاء جزءاً كبيراً من أموال صندوق التعافي، على الاستثمارات والإصلاحات التي تعزز النمو الطويل الأجل، مع تعزيز التحولات الخضراء والرقمية.
ولكن الاستثمار العام - في مشاريع مثل خطوط السكك الحديدية الفائقة السرعة الجديدة، ومحطات شحن السيارات الكهربائية، أو شبكات الألياف البصرية – لن يفعل شيئاً يذكر لتعزيز الإنفاق في السنوات القليلة المقبلة. وتحتاج مشاريع البنية التحتية هذه إلى وقت حتى تمر عبر لجان التخطيط، وتستغرق سنوات عدة للبناء.
ومن ناحية أخرى، ستزيد قسائم الاستهلاك، أو برامج النقد مقابل السيارات القديمة، من حجم الطلب بسرعة، لكنها لن تفعل شيئاً يذكر للتعجيل بالانتقال إلى الاقتصاد الرقمي المستدام، حتى لو مُنحت صبغة خضراء.
ومع ذلك، هناك طريقة يمكن لواضعي السياسات اعتمادها لتعزيز الطلب على المدى القصير، مع تسريع التحول نحو الحياد الكربوني في الوقت نفسه: إصلاح ضريبي أخضر جريء مصحوب بتعويض سخي عبر نظام الضرائب، والمزايا، والتمويل المنخفض التكلفة، لمساعدة الشركات والأسر على التكيف.
إن المبرر الاقتصادي لهذه الخطة بسيط ومقبول على نطاق واسع. فمن خلال جعل انبعاثات غازات الدفيئة الضارة أكثر تكلفة، تدفع الضرائب الخضراء المستهلكين والشركات للخروج من الأنشطة الملوِثة، وتجعل الحفاظ على الطاقة مشروعاً مربحاً.
وفضلاً عن ذلك، فإن الضرائب الخضراء ذات المسار التصاعدي المحدد مسبقاً، تحدد مساراً موثوقاً للتكلفة المستقبلية للتلوث. وهذا يمنح الشركات والأسر الوضوح الذي تحتاجه للاستثمار في الابتكارات، والمعدات الموفرة للطاقة.
لقد فشل نظام التداول الحالي لانبعاثات الكربون في أوروبا في توفير إشارة السعر هذه. إذ طالما كان سعر الكربون منخفضاً جداً حتى يُحدث تغييرات في الاستهلاك، ومتقلباً جداً حتى يقدم للشركات إرشادات موثوقة بشأن تكاليف التلوث في المستقبل.
وجعلت الإصلاحات الأخيرة النظام أقرب إلى ضريبة الكربون، ولكن سعر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لا يزال حوالي 20 يورو للطن. ويقول البنك الدولي إن هذا قد يحتاج إلى الارتفاع إلى حوالي 50 يورو للطن في الوقت الراهن، و70 يورو للطن بحلول عام 2030، ليكون متسقاً مع أهداف خفض الانبعاثات في اتفاقية باريس للمناخ.
وفضلاً عن ذلك، لا يغطي مخطط تداول الانبعاثات ثلاثة من أكثر القطاعات تلويثاً في أوروبا: البناء، والنقل، والزراعة. وتمثل هذه القطاعات الثلاثة، إلى جانب معالجة النفايات وبعض الأنشطة الأخرى، 55 % من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الاتحاد الأوروبي. إذاً، لا تزال هناك حاجة إلى إصلاحات وطنية جريئة للضريبة الخضراء.
ويجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن تخفض الضرائب على العمالة بصورة دائمة، وأن تزيد من الإعانات الاجتماعية، بدءاً من الآن. وهذا من شأنه أن يعزز الاقتصاد من حيث الطلب بصورة مباشرة.
صحيح أن الضرائب الخضراء يمكن أن تكون مشكلة سياسية، لأنها تخلق خاسرين، ولكن أموال الاتحاد الأوروبي الجديدة يمكن أن تساعد في التخفيف من هذه الآثار. وعلى المستوى الإقليمي، يمكن أن يدعم صندوق الانتقال العادل المعزَز حديثاً في الاتحاد الأوروبي، الاقتصادات المحلية حيث القطاعات الملوثة تتمثل في المصانع الكبرى. وينبغي على الحكومات أن تكمل هذه المساعدة ببرامج الاستثمار الوطنية، لجعل الضرائب الخضراء مقبولة سياسياً أكثر في هذه المناطق.
ولكن إعطاء الأسر والشركات إشارات أسعار واضحة للحد من انبعاثاتها لا يكفي. فهي بحاجة أيضاً إلى وسائل للتكيف. لذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي استخدام بعض أمواله الجديدة لتقديم منح سخية، وتمويل رخيص للاستثمارات الخضراء.
إن أزمة «كوفيد 19» تصرف الانتباه عن التهديد المستمر لتغير المناخ. ولكن لا داعي لذلك، لأن صندوق التعافي للاتحاد الأوروبي يمنح الحكومات فرصة فريدة لتحويل العبء الضريبي من العمل إلى التلوث. وعليها انتهاز هذه الفرصة.

