مع اقتراب حلول فصل الخريف وبدء الموسم الدراسي الجديد، يتصارع الأمريكيون مع الاضطرابات المترابطة في مجالات الصحة، والاقتصاد، والحياة الأسرية، والعلاقات بين الأعراق.
وكان وقع أزمة كوفيد 19 أشد وطأة على أكثر الفئات هشاشة: الأشخاص ذوي البشرة الملونة، والذين يعانون إعاقة معينة، والمهاجرون، والنساء، والأشخاص الأقل تعليماً، والعمال الآخرون المحاصرون في وظائف محفوفة بالمخاطر، وغير النظامية، والمنخفضة الأجور دون تأمين صحي أو مزايا تذكر. والأسوأ من ذلك، أن الوظائف المعرضة للركود الناجم عن الوباء تتداخل مع تلك التي ستكون عرضة لتسريع الرقمنة والتشغيل الآلي في وقت يتعافى فيه الاقتصاد.
ويشير كل هذا إلى ركود «مزدوج» يعاني فيه «الأثرياء» في أمريكا من ضربة أخف بكثير من «الفقراء». إذ في بداية عام 2020، كان العمال الذين يتقاضون أجوراً أقل من متوسط الأجر في الساعة يشكلون ما يقدر بنحو ٪44 من جميع العمال، على الرغم من معدلات البطالة المنخفضة القياسية، وارتفاع الأجور في أسفل سُلم توزيع الدخل، (ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى زيادات الحد الأدنى للأجور في العديد من الولايات).
والعمال الذين يتقاضون أجوراً منخفضة هم أكثر احتمالاً مرتين لامتلاك شهادة لا تزيد عن مستوى الدراسة الثانوية من العمال ذوي الأجور المتوسطة والعالية. وما يقارب ٪54 من هؤلاء العمال نساء، و٪45 منهم من أصحاب البشرة الملونة، الذين يشكلون نسبة عالية بالنسبة لحصتهم من إجمالي القوى العاملة.
ويشتغل معظم العمال ذوي الأجور المنخفضة في المجالات التي تعتمد على يد عاملة كثيفة، وفي الترفيه الشخصي، والضيافة، وخدمات البيع بالتجزئة، والنقل، التي انهارت جميعها نتيجة الإغلاق، والتباعد الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، أدى الوباء إلى زيادة الطلب على الخدمات الرقمية، التي خففت من حدة فقدان الوظائف للحاصلين على تعليم جامعي أو أعلى من ذلك.
لا يؤدي الوباء إلى مزيد من الاستقطاب في سوق العمل الأمريكية فحسب، بل إنه يفرض أيضاً تكاليف على السكان الأكثر عرضة للخطر بصورة غير متناسبة. إذ يقول تقرير صدر مؤخراً إن ٪56 من العائلات من ذوي البشرة السوداء، تعرضت لخسارة في العمل أو في الدخل مقابل ٪44 فقط من العائلات البيض، بين مارس ومايو. وكذلك، كانت الوفيات جراء الفيروس نفسه أعلى بصورة غير متناسبة بين المواطنين السود وذوي البشرة السمراء.
وفي جميع أنحاء البلاد، يواجه العديد من العمال الخيار المستحيل المتمثل في رعاية أطفالهم أو الذهاب إلى وظائفهم الأساسية والمنخفضة الأجر. إذ مع تقلب خطط المدارس الخريفية، سرعان ما أصبحت مسؤولية رعاية الأطفال على عاتق النساء، ما يهدد بإعاقة عقود من التقدم في سد فجوات الأجور، والفرص بين الجنسين.
وسيتطلب عكس مسار الظلم الاقتصادي الذي سببه للوباء، ومعالجة التفاوتات الهيكلية الصارخة التي كشف عنها تعافياً مستداماً وشاملاً، يعتمد على الوظائف الجيدة لجميع العمال. وتتمثل الأولوية الأولى في طرح خطة فورية لاحتواء كوفيد 19، وخطة انتعاش من شأنها أن تستعيد الطلب على العمالة.
وحتى التوقعات المتفائلة لا تتوقع العودة إلى مستويات التوظيف لعام 2019 قبل حلول عام 2022. وهناك كل الأسباب لتوقع أن العديد من الوظائف المفقودة- ربما تصل إلى ٪40- لن تعود أبداً. وعلى المدى القصير إلى المتوسط، تكمن المفارقة المأساوية في أن فرص العمل نادرة وتدفع أجوراً هزيلة للغاية.
ثانياً، تحتاج الولايات المتحدة بشدة إلى تقوية شبكة الأمان الاجتماعي الخاصة بها، وتحسين ظروف العمال ذوي الأجور المنخفضة من خلال مزيج من أعلى حد أدنى للأجور، وائتمانات ضريبة الدخل المكتسبة، وتوسيع نطاق المعونة الطبية لتشمل جميع الولايات.
ثالثاً، هناك حاجة إلى سياسات التدريب، وسوق العمل النشط لربط العمال بفرص عمل أفضل في المستقبل. وفي عالم مثالي، سيعود العمال السابقون من ذوي الأجور المنخفضة إلى الاقتصاد في وظائف تتطلب مهارات وذات أجور مرتفعة.
يؤدي الاضطراب في العمل الناجم عن الوباء إلى تسريع الانتقال من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد الرقمي. وهذا يعني أن التدريب على المهارات الرقمية سيكون ضرورياً لمعظم الوظائف الجيدة في المستقبل. لذلك، لدى الولايات المتحدة خيار بين اثنين: يمكنها أن تصبح رقمية مع مستويات أعلى مما هي عليه بالفعل من عدم المساواة، وهو ما سيؤدي إلى اقتصاد «مزدوج» غير فعال وغير مستدام، أو يمكنها الاستثمار في عُمالها حتى تصبح وظائف اليوم «السيئة» وظائف الغد الجيدة.
* شغلت سابقاً منصب رئيسة مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي، وتشغل حالياً منصب أستاذة المدارس الجامعية العليا في كلية بيركلي هاس للأعمال، ومنصب رئيسة مجلس أمناء مركز بلوم في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
** الشريك الفخري الأول في شركة McKinsey & Company، (كامبني آند ماكنزي)، وشغل سابقاً منصب كبير المستشارين الاقتصاديين والتجاريين لحاكم ولاية كاليفورنيا، جافين نيوسوم.

