من الواضح عدم الرضا عن الناتج المحلي الإجمالي كمقياس آخذ في الازدياد. إذ يشكك العديد من الاقتصاديين وصناع السياسات، وغيرهم من المنتقدين، في قدرة هذا المقياس المركزي للنجاح الحكومي والاجتماعي على إدراك مكاسب الرفاهة من التكنولوجيا، أو التعبير عن التدهور البيئي، أو تفسير اتساع فجوات التفاوت.
مع اقتراب التطورات الطارئة على الذكاء الاصطناعي والروبوتات من إنتاج زخم كبير مربك في سوق العمل مع تعزيز الناتج المحلي الإجمالي في ذات الوقت ــ وهي العملية التي من المحتمل أن تتسارع بفعل الجائحة المستمرة ــ ستزداد هذه الشكاوى صخباً خلال فترة وجيزة.
جرى تقديم العديد من المؤشرات البديلة لفترة طويلة، لكن أحد الخيارات الواعدة بشكل خاص يتمثل في متوسط العمر المتوقع الصحي، وهو مقياس يسهل فهمه ويشكل أهمية واضحة لكل منا بشكل فردي. علاوة على ذلك، يجري الآن قياس متوسط العمر المتوقع الصحي بالفعل، وتَـصَـادَف أنه يعالج العديد من العوامل التي قد يغفلها الناتج المحلي الإجمالي.
إن رفع متوسط العمر المتوقع الصحي يمكن تحقيقه عن طريق زيادة العمر المتوقع الصحي بين أولئك عند أسفل جدول توزيع الصحة إلى مستوى العمر المتوقع للشخص المعتاد (الأوسط). هذا لا يجعل استهداف التفاوت بين الناس أكثر جاذبية وحسب، بل إن الأمر لا يتطلب ابتكارات طبية رائدة لتحقيق أعمار أطول ــ بل مجرد إنجاز نتائج نموذجية لعدد أكبر من الناس.
وبناء على هذا فمن الأهمية بمكان أن نعمل على سد الفجوة الكبيرة في متوسط العمر المتوقع بين الأغنياء والفقراء ــ نحو 15 عاماً ــ في الولايات المتحدة. ولا شك أن استهداف العمر المتوقع الصحي، باعتباره مقياساً للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، يقر ضمناً بأن الشيخوخة مطواعة (إن لم تكن كذلك، فلن يكون الهدف قابلاً للتطبيق).
وقد تبين أن مجموعة من السلوكيات والسياسات، فضلاً عن البيئة التي نعيش فيها، تؤثر على الكيفية التي نتقدم بها في العمر وطول مدة حياتنا.
من شأن مثل هذا التركيز أن يساعد الحكومات أيضاً على مواجهة واحد من أكبر تحديات المستقبل: الشيخوخة المجتمعية.
لتفعيل استهداف العمر المتوقع الصحي، ينبغي للحكومات أن تحذو حذو اليابان في إنشاء «مجلس طول العمر». وبمجرد أن يبدأ صناع السياسات في التركيز على هذه القضية، سوف يدركون ثلاثة أمور. أولاً، الرعاية الصحية الوقائية هي الأساس. في مختلف أنحاء العالم، تميل الأنظمة الصحية إلى التوجه في المقام الأول نحو التدخل الطبي والاستجابة للأمراض، بدلاً من التوجه نحو تعزيز الصحة العامة.
ثانياً، الأمر الثاني، والذي يتصل بالأول، هو أن العديد من محددات الحياة الصحية الطويلة تقع خارج سيطرة النظام الصحي، وترتبط بالعمل، والتعليم، والمجتمع، كما أوضح الاقتصاديان آن كيس وأنجوس ديتون في عملهما في توثيق «الموت يأساً».
وعلى هذا فإن تركيز السياسة على العمر المتوقع الصحي يتطلب نهجاً حكومياً مشتركاً بين الإدارات المختلفة. ويجب أن تكون التدابير التي تستهدف العمر المتوقع الصحي شاملة لجميع الفئات العمرية، وأن تركز على طول العمر، وليس فقط على كبار السن. وهناك العديد من المقاييس التي يمكن أن تستخدمها الحكومات للحكم على مدى نجاح سياساتها وصحة المجتمع.
ولكن أياً كانت التدابير الأخرى التي تستخدمها، فإن العمر المتوقع الصحي يستحق أن يحتل مكانة مركزية في مزيج السياسات. الواقع أن قِـلة من المتغيرات الأخرى قد تكون على هذا القدر من الأهمية بالنسبة إلينا كأفراد، وفي ذات الوقت فَـعّـالة في التعبير عن فوائد أعرض اتساعاً في ما يتصل بالاقتصاد الكلي.
* أستاذ علوم الاقتصاد في كلية لندن لإدارة الأعمال، والمؤسس المشارك لمنتدى طول العمر.
