بعد انتخابات مثيرة للجدل في التاسع من أغسطس، ربما يكون حكم الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو في مأزق، إذ تجتاح البلاد احتجاجات حاشدة، ويُـضـرِب العمال عن العمل في العديد من القطاعات الحيوية.
في عهد لوكاشينكو، حافظت بيلاروسيا على اقتصاد تهيمن عليه الدولة على الطريقة السوفييتية، والذي ظل راكداً منذ عام 2012. لم يشغل لوكاشينكو نفسه منذ تولى السلطة في عام 1994 بأي شيء غير ترسيخ قدميه في السلطة وتمكين أفراد أسرته وبعض المقربين منه.
ويضم القطاع العام ثلاثة أرباع الاقتصاد، والذي يعتمد إلى حد كبير على الصناعات الثقيلة وتهيمن عليه قِـلة من الشركات الضخمة المملوكة للدولة. وتميل الشركات الخمسة الأكثر أهمية ــ شركة البوتاس بيلاروسكالي، وأكبر مصفاتين لتكرير النفط، وشركة مينسك تراكتور ووركس، ومصنع مينسك للسيارات ــ إلى الاعتماد على الدعم وانعدام الكفاءة، ويخضع الاقتصاد في عموم الأمر للتنظيم الشديد.
ظل اقتصاد بيلاروسيا يعتمد بشكل كبير على روسيا. وقد قال لوكاشينكو إنه يريد أن يتقاضى جميع البيلاروسيين أجراً يعادل 500 دولار أمريكي في المتوسط شهرياً. ولكن لأن هذا يتجاوز ما يستطيع الاقتصاد دعمه، فقد عانت بيلاروسيا من أزمات الصرف الأجنبي على نحو متكرر.
وفي عامي 2009 و2010، حظيت بيلاروسيا بخطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي، لكن الحكومة خالفت شروط الترتيب مع الصندوق ولم تتلقّ أي تمويل منذ ذلك الحين. وبحلول نهاية 2011، ارتفع التضخم إلى 109 % وعند هذه النقطة تدخلت روسيا لمساعدة لوكاشينكو.
منذ ذلك الحين، ناشد لوكاشينكو دون جدوى كل من روسيا والغرب طلبا للدعم المالي.
من منظور الاتحاد الأوروبي، تشكل بيلاروسيا قضية حساسة. ففي حين يريد قادة الاتحاد الأوروبي الدفاع عن المبادئ الديمقراطية، وهو ما يعني ضمنا معاقبة لوكاشينكو ورفاقه بسبب انتهاكاتهم المتكررة، فإنهم يريدون في ذات الوقت الحفاظ على بعض النفوذ في البلاد، ولهذا كانوا حريصين على عدم إرغام لوكاشينكو على الاحتماء بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
الواقع أن الاقتصاد البيلاروسي يحتاج بشدة إلى التحرير والخصخصة، وهو يتمتع بالمقومات الأساسية اللازمة لإطلاق مثل هذه العملية. ليس من المستغرب أن يتجنب المستثمرون الدوليون بيلاروسيا إلى حد كبير .
ولكن على وجه التحديد، بسبب عجز البلاد عن اجتذاب أي قدر يُـذكَـر من التمويل الدولي، يعادل إجمالي الدين العام في بيلاروسيا 18 مليار دولار فقط ــ أو 29 % من الناتج المحلي الإجمالي ــ وفقاً لوزارة المالية.
مع السيطرة على التضخم السنوي عند مستوى نحو 5 % ومع عودة جميع المؤسسات الدولية ذات الصلة إلى المشاركة بالفعل، فإن بيلاروسيا تصبح في وضع يسمح لها بإجراء التحول إلى اقتصاد سوق يعمل على النحو الصحيح. وفي ظل قيادة جديدة، ينبغي لها أن تكون قادرة على اجتذاب القدر الكافي من التمويل الدولي لصيانة استقرار الاقتصاد الكلي.
أياً كان القرار، ينبغي على الغرب أن يكون حريصاً على المشاركة. فإذا سقط لوكاشينكو، ستحتاج بيلاروسيا إلى برنامج من صندوق النقد الدولي بمجرد تنصيب حكومة جديدة، كما تحتاج إلى المساعدة من جانب البنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية في مجال إلغاء القيود التنظيمية والخصخصة.
سوف يلعب الاتحاد الأوروبي أيضاً دوراً في هذا الصدد. وينبغي له أن يرحب بحكومة جديدة من خلال تفعيل برنامج الشراكة الشرقية مع بيلاروسيا، وتوجيه الدعوة إلى الطلاب البيلاروسيين للمشاركة في برنامج إيراسموس لتبادل الطلاب. ولا يجوز لنا أن نقلل من أهمية مثل هذه المشاركة المدنية في ردع أو تحييد التدخل الروسي.
