خلال أشهر قليلة فقط، تسبب وباء فيروس «كوفيد 19» في إلحاق أضرار جسيمة باقتصاد الولايات المتحدة وبالعمال الذين يحركون عجلته.
ووصلت البطالة بالفعل إلى أعلى مستوياتها منذ الكساد العظيم، إذ قدم نحو 42 مليون عامل - معظمهم من ذوي الدخل المنخفض، ومن الفئة الأقل تعليماً، وبنسب غير متكافئة، من ذوي البشرة السوداء والأصول الإسبانية - طلبات إعانات البطالة منذ منتصف مارس. ودون عمل حكومي متضافر، فإن الآفاق الاقتصادية الأمريكية - ومشكلة عدم المساواة التي تعاني منها - ستزداد سوءًا.
ومن المؤكد أن السلطات النقدية والمالية الأمريكية اتخذت تدابير جريئة في وقت مبكر لدعم الاقتصاد. وخفَّض الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى ما يقرب من الصفر، وعمل مع وزارة الخزانة لتقديم الائتمان للأسر، والشركات، وحكومات الولايات، والحكومات المحلية. وقد وافق الكونغرس الأمريكي والبيت الأبيض، حتى الآن، على ما يقرب من 3 تريليونات دولار من المساعدات الاقتصادية، بما في ذلك مساعدات بقيمة تريليوني دولار لمكافحة فيروس كورونا، ودعم جهود الإغاثة، وتعزيز الأمن الاقتصادي.

ولكن في حين أن بنك الاحتياطي الفيدرالي قد التزم باستخدام أدوات الطوارئ الخاصة به «مهما استغرق ذلك من الوقت»، من أجل ضمان انتعاش قوي، فإن الكونغرس المنقسم والسلطة التنفيذية الفوضوية لم يتعهدا بعد بتعهد مماثل. ووافق الديمقراطيون في مجلس النواب على حزمة انتعاش ثانية بقيمة 3 تريليونات دولار، لكن آفاقها غير مؤكدة في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون، والذي على وشك أن يبدأ فترة استراحة لمدة أسبوعين دون النظر فيها.
ويتوقع صندوق النقد الدولي الآن أن ينكمش الاقتصاد الأمريكي بنسبة %8 في عام 2020. وإذا لم تغير الحكومة الأمريكية مسارها، فسيتوقع أسوأ من ذلك.
وتحتاج الولايات المتحدة إلى خطة للتعافي، تتضمن، أولاً وقبل كل شيء، تمويلاً إضافياً قدره 600 دولار في الأسبوع فيما يتعلق بإعانات البطالة - وهو جزء من قانون التمويل لمكافحة فيروس كورونا، ودعم جهود الإغاثة، وتعزيز الأمن الاقتصادي. ويعد التأمين ضد البطالة أداة قوية معاكسة للدورات الاقتصادية: إذ يضيف دولار واحد في الفوائد 1.50 دولار للاقتصاد. لذا، بدلاً من إلغاء الاستحقاقات الإضافية في نهاية يوليو، كما هو مخطط له حاليًا، يجب على الحكومة الفيدرالية التخلص منها تدريجيًا. وعند انخفاض معدل البطالة، ينبغي تعديل الاستحقاقات وفقًا لمعدلات استبدال الأجور المستهدفة. ثم يجب أن يعالج صانعو السياسة في الولايات المتحدة أيضاً المشاكل الطويلة الأمد في نظام التأمين ضد البطالة.
ويجب أن تكافئ خطة الإنعاش الأشخاص الذين لم يفقدوا وظائفهم. فعلى الرغم من أن العديد من الولايات رفعت الحد الأدنى للأجور قبل الوباء، إلا أن الحد الأدنى الاتحادي للأجور منخفض إلى درجة صادمة، والعديد من أولئك الذين فقدوا وظائفهم لم يتلقوا أجرًا معيشيًا في المقام الأول. إن إعانة مؤقتة لجميع العمال ذوي الأجور المتدنية، في شكل «ائتمان ضريبة الدخل المكتسب أثناء الوباء»، سيعزز الانتعاش، ويمهد الطريق لتوسيع نطاق هذا الائتمان بصفة دائمة - وهو أداة سياسية مثبتة تكمل الأجور المتدنية للعمال، وتكافئ على العمل.
ويجب أن تتجلى الأولوية الأخرى في تقديم قروض بأسعار معقولة للشركات الصغرى (حتى 500 موظف). فقبل الوباء، كانت الشركات الصغرى تمثل ما يقرب من نصف جميع وظائف القطاع الخاص. ومن فبراير حتى مايو، فقدت حوالي %18 من موظفيها.
وسيكمن النهج الأفضل في الاستفادة من برنامج Main Street للإقراض الذي وضعه الاحتياطي الفيدرالي، والذي يوفر قروضًا فيدرالية مدعومة للشركات الصغرى والمتوسطة المؤهلة. ومن خلال رأس مال قيمته 75 مليار دولار ودعم الخزانة، يمكن لـهذا البرنامج إصدار 600 مليار دولار في شكل قروض للمقاولات الصغرى والمتوسطة الحجم، والتي تخضع للتقييم وفقًا لمعايير الأهلية المحددة، بسرعة نسبياً. ولاحقاً، يمكن، بل يجب، توسيع نطاق برنامج صندوق Main Street للإقراض من خلال ضخ أكبر لأموال الخزانة، وتقليص معدل الخسارة المقبول على القروض، وخفض أسعار الفائدة.
إن العنصر الحاسم الأخير في الخطة هو التمويل الفيدرالي الإضافي الهام لحكومات الولايات، والحكومات المحلية التي تقف في الخطوط الأمامية لمحاربة الوباء.
هذه الأسس تجعل الولايات المتحدة تستطيع أن تواجه الأزمة الرباعية: كارثة على الصحة العامة، وركود اقتصادي، وعدم المساواة المتجذر والمتصاعد، وقيادة متخبطة. وكما يبدو، فإن الأزمة الأخيرة تفاقم ما تبقى. ولكن الأوان لم يفت بعد ليطوِّر صانعو السياسة الأمريكيون خطة الاستجابة للوباء التي تحتاجها البلاد.
* شغلت سابقاً منصب رئيسة مجلس المستشارين الاقتصاديين لرئيس الولايات المتحدة، وتشغل حالياً منصب أستاذة متميزة للكليات الجامعية في معهد هاس للأعمال ببيركلي، ورئيسة مجلس أمناء مركز بلوم في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
** الشريك الأول الفخري في شركة McKinsey & Company (ماكنزي أند كومباني).
opinion@albayan.ae
