العولمة وفجوات التفاوت الاجتماعي

نورييل روبيني - أستاذ علوم الاقتصاد في كلية شترين لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة Roubini Macro Associates، ومضيف موقع NourielToday.com.

من الواضح أن الاحتجاجات الجماهيرية الحاشدة التي اندلعت في أعقاب مقتل جورج فلويد على يد ضابط شرطة في مينيابوليس تدور حول مسائل مجتمعية لها جذور قديمة، لكنها تتعلق أيضاً بأمور أخرى كثيرة. الواقع أن أولئك الذين خرجوا إلى الشوارع في أكثر من 100 مدينة أمريكية يجسدون نقداً أوسع نطاقاً للواقع.

لا تقتصر هذه الظاهرة على الولايات المتحدة بطبيعة الحال. ففي عام 2019 وحده، هزت تظاهرات ضخمة بوليفيا، وشيلي، وكولومبيا، وفرنسا، وهونغ كونغ، وماليزيا، وباكستان، بين دول أخرى. ورغم أن كلاً من هذه الأحداث يرجع إلى أسباب مختلفة، فإنها عكست جميعها الاستياء إزاء الضائقة الاقتصادية، والفساد، والافتقار إلى الفرص الاقتصادية.

تساعد ذات العوامل في تفسير الدعم الانتخابي المتنامي الذي حظي به بعض القادة في السنوات الأخيرة. فبعد الأزمة المالية في عام 2008، سعت العديد من الشركات إلى تعزيز الأرباح عن طريق خفض التكاليف، بدءاً بالعمالة.

وبدلاً من توظيف العمال بعقود عمل رسمية بأجور ومزايا جيدة، تبنت الشركات نموذجاً قائماً على العمل بدوام جزئي، والعمل بالساعة، والعمل المؤقت، والعمل الحر، والمقاولة بالقطعة، مما خلق ما يسميه الاقتصادي جاي ستاندينج «طبقة البريكاريا».

البريكاريا هي النسخة المعاصرة من بروليتارية كارل ماركس: طبقة جديدة من العمال الـمُـبـعَـدين الذين يفتقرون إلى الأمان والذين صاروا جاهزين لتبني التطرف والتعبئة ضد البلوتوقراطية (حكم الأثرياء، أو ما أسماه كارل ماركس، البرجوازية).

الآن، تنمو هذه الطبقة مرة أخرى، بينما تستجيب الشركات التي أفرطت في الإنفاق بالاستدانة لأزمة مرض فيروس «كورونا» 2019 (كوفيد 2019) كما فعلت بعد عام 2008: بالاستفادة من عمليات الإنقاذ وتحقيق أهداف الأرباح عن طريق خفض تكاليف العمالة.

يتألف قسم من طبقة البريكاريا من المحافظين المتدينين الأصغر سناً والأقل تعليماً في البلدات الصغيرة والمناطق شبه الريفية الذين أعطوا أصواتهم لترامب في عام 2016. وكان أملهم أن يفعل ترامب حقاً شيئاً حيال أوضاعهم الاقتصادية.

إن فجوة التفاوت في الدخل والثروة كانت في اتساع لعقود من الزمن، بسبب عوامل عديدة، بما في ذلك العولمة، والتجارة، والهجرة، والأتمتة، وإضعاف العمالة المنظمة، وصعود الأسواق التي ترفع شعار «الفائز يستأثر بكل شيء»، والتمييز العنصري.

ويعمل النظام التعليمي المنفصل عنصرياً واجتماعياً على تعزيز أسطورة الجدارة في حين يسهم في توطيد مكانة النخب، التي يحظى أبناؤها على نحو ثابت بالقدرة على الوصول إلى أفضل المؤسسات الأكاديمية ثم يواصلون للحصول على أفضل الوظائف (ويتزاوجون عادة بين بعضهم بعضاً، مما يعيد بالتالي إنتاج ذات الظروف التي استفادوا منها هم أنفسهم).

من ناحية أخرى، خلقت هذه الاتجاهات حلقات سياسية ارتجاعية من خلال ممارسة الضغوط، وتمويل الحملات الانتخابية، وغير ذلك من أشكال النفوذ والتأثير، مما أدى إلى زيادة ترسخ نظام ضريبي وتنظيمي يعود بالفائدة على الأثرياء.

لا عجب إذن أن يكون معدل الضريبة الهامشية المفروضة على سكرتيرة وارن بافيت، كما قال ساخراً في مناسبة شهيرة، أعلى من معدل الضريبة الهامشية المفروضة عليه شخصياً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات