نحو هيكلة جديدة للاقتصاد الأمريكي

من المؤكد أنه تحتاج الوالايات المتحدة الامريكية، وطبقاً لما برز في استجابتها مع مرض فيروس («كوفيد 19»)، كما كثير من البلدان غيرها، إلى تنظيم هيكليات عمل اقتاصدي نوعية، تلعب فيها الحكومة دوراً جوهرياً وريادياً. الواقع أنه تمتد جذور هذه المسألة الأميركية عميقاً.

فمن الواضح أن قدراً كبيراً من اللوم يقع على التحزب بجدارة. من الواضح أن السلع والمنافع العامة ــ الدفاع الوطني على سبيل المثال ــ يجب أن تتولى الحكومة توفيرها. الواقع أن القطاع العام في الولايات المتحدة ليس هو ذاته الذي ينتج السلع الدفاعية؛ بل توجه الحكومة القطاع الخاص للقيام بذلك.

كان الاستخدام الأفضل كثيراً لصلاحيات الدولة الهائلة ليتمثل في التحكم الناعم: حيث تخلق الحكومة الحوافز للقطاع الخاص لإنتاج السلع التي تعود بالفائدة على المجتمع.

ليس المقصود من هذا الحط من قيمة إبداع الشركات العضوي وبراعة ريادة الأعمال. وينبغي لنا جميعاً أن نصفق لمعمل حول إنتاجه من المشروبات إلى مطهرات الأيدي، أو شركة تصنيع فلاتر القهوة التي تحولت إلى إنتاج أقنعة الوجه.

ولكن من الواضح أن السوق، إذا تُــرِكَـت لإرادتها، لا تنتج الكمية الكافية من معدات الوقاية الشخصية، وأجهزة مساعدة التنفس، والأدوية العلاجية. لن تضمن السوق أيضاً التطعيم الشامل عندما يحين وقت إنتاجه وتوزيعه.

إن أقنعة الوجه، وأجهزة مساعدة التنفس، واللقاحات ليست سلعاً خاصة ولا عامة. بل تُـعَـد سلعاً اجتماعية: فتوفيرها يعود بالفائدة على المجتمع، ولا يجوز للحكومة أن تتردد في ضمان الإمدادات الكافية منها. يتطلب توفير السلع الاجتماعية حوافز حكومية قوية لتشجيع القطاع الخاص على توريدها.

والاستجابة لجائحة «كوفيد 19» ليست الحالة الوحيدة في هذا الصدد. إذ يصدق نفس القول على التكنولوجيات اللازمة للتخفيف من حدة تغير المناخ أو التكيف معه، وهي مشكلة جهازية أخرى لن يبادر القطاع الخاص إلى علاجها من تلقاء ذاته لمصلحة الجميع.

سواء كانت المشكلة «كوفيد 19» أو تغير المناخ، فلا يمكن حلها من خلال العمل التطوعي الشركاتي أو العمل الخيري. ولتحقيق الاستفادة من القوة الكاملة الكامنة في دينامية القطاع الخاص الأميركي المشهورة يتطلب الأمر حشد قوى الحكومة الفيدرالية لإعادة توظيف رأس المال الخاص وطاقاته في دعم المشاريع الاجتماعية الضخمة.

حتى الآن، مثّلت استجابة الحكومة الفيدرالية الأميركية سلسلة من الفرص الضائعة، بدءاً بالفشل في الاستعداد على النحو اللائق سواء للكشف عن الجائحة واحتوائها أو لمعالجة تداعياتها الاقتصادية، وامتداداً إلى أول برنامج إغاثة بقيمة 2 تريليون دولار، والذي فشل في استخدام أي من الأموال لخلق الحوافز المناسبة لتعبئة قوى القطاع الخاص لمعالجة السبب الجذري وراء الانهيار الاقتصادي. ففي نهاية المطاف، لن نجد حافزاً اقتصادياً أفضل من التغلب على جائحة «كوفيد 19».

يتطلب تحقيق هذه النتيجة، كما هي الحال في التصدي لقضية تغير المناخ، إعادة النظر في دور الحكومة والهيكلية الاقتصادية.

* أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة نيويورك.

طباعة Email