مكافحة جذور الأوبئة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

لا تقتصر أسواق الماشية و«أسواق الأسماك»، التي تبيع الحيوانات الحية على مدينة ووهان الصينية، حيث نشأ فيروس «سارس كوف 2»، هذه الأسواق موجودة في جميع أنحاء العالم. ونظراً إلى طبيعتها غير المنظمة إلى حد كبير، فإن ظهور المرض المُعدي الرئيسي الآخر ليس سوى مسألة وقت.

على سبيل المثال، قد لا يتوقع أحد العثور على أكبر مجموعة جاموس في العالم في كراتشي (باكستان)، وهي مدينة يبلغ عدد سكانها 14 مليون نسمة.

ومع وجود نحو 400.000 حيوان محجوز بإحكام في منطقة مساحتها 6 كيلو مترات مربعة (2.3 ميل مربع)، فإن مستعمرة «بهاينز» هي بالتأكيد رؤية غير لائقة، ومع ذلك، فقد حققت المستعمرة (التي سُميت على اسم الكلمة الأردية للجاموس) النجاح والازدهار لأكثر من نصف قرن، ولديها اليوم أكثر من 1500 مزرعة.

تُشكل هذه المجموعة جزءاً لا يتجزأ من منتجات الألبان واللحوم في كراتشي، كما تُعد مصدراً رئيسياً لتوظيف المجتمع المحلي.

لقد كانت موضوعاً للعديد من الدراسات حول التمكين المحلي، وريادة الأعمال وسلاسل التوريد، بما في ذلك بعض الدراسات المُمولة من قبل وكالات المعونة الدولية، لكن المهنة غير منظمة إلى حد كبير، كما اكتشفتُ في زيارتي الأولى للمكان في يناير 2019، كونه جزءاً من بحثي بخصوص كتاب أقوم بتأليفه، أردت فهم كيفية تعامل المزارعين المحليين مع العدوى، التي تُصيب ماشيتهم - وماذا حدث عندما لم تعد الأدوية التي يستخدمونها فعالة.

وصلتُ إلى المزرعة في وقت مبكر من صباح مُشمس برفقة زملائي من إحدى الجامعات المحلية..كانت المزارع فعالة للغاية، وتم نقل حليب الجاموس إلى جميع أنحاء المدينة في أقل من ساعتين، لكن المزارعين لم يتبعوا قواعد الصحة البيطرية، التي وضعتها الحكومة، وفشلوا في الالتزام بإرشادات إطعام الحيوانات، إن وُجدت.

هل كان الطبيب البيطري قلقاً إذاً بشأن إصابات الماشية بالعدوى؟ قال نعم، بالتأكيد: إذا مرضت بعض الحيوانات، فلن يكون هناك مختبر مُتاح لتحديد السبب، لأن المختبرات القليلة في باكستان كانت مُكتظة بالمُصابين بالعدوى البشرية، فضلاً عن غياب الإشراف الحكومي.

ابتكر الطبيب البيطري حلاً وصفه بفخر كبير. على الرغم من عدم تلقيه أي تدريب صيدلاني أو لديه دراية بالعمل في مجال العقاقير، فقد أنتج مجموعة من الأدوية الخاصة به، لم تتم الموافقة عليها أو اختبارها، ولكنها كانت قوية للغاية وشديدة الطلب، على حد تعبيره.

شكك عُمال المزارع الخاصة، الذين التقيتهم خلال زيارتي في فعالية مختلف أنواع الأدوية المصنوعة محلياً، لكنهم تلقوا القليل من التدريب لعلاج الحيوانات المُصابة، أو حتى كيفية الإبلاغ عن انتشار العدوى.

من الناحية العملية، حدث العكس تماماً: كان دم الحيوانات المذبوحة، سواء كانت مُصابة بالعدوى أم لا، جزءاً من النظام الغذائي الغني بالبروتين (أو «وجبة الدم»)، الذي يتم تقديمه إلى قطيع مزرعة دواجن مُجاورة.

فعلياً، تواجه الهيئات التنظيمية العديد من الصعوبات بسبب الموارد المحدودة، أو تتجاهل الأمر بينما يتم انتهاك القواعد باستمرار. وبداية، يتعين على الحكومات العمل على إصلاح القطاع الزراعي، على المستوى المحلي، وبالتعاون الإقليمي والعالمي مع الدول الأخرى.

في البلدان حيث تُشكل تربية الحيوانات نشاطاً اقتصادياً رئيسياً، يُعد الربط بين الزراعة والصحة العامة أمراً ضرورياً. يجب تجاوز المناقشات النموذجية في ما يتعلق بالتغذية، وأن يشمل سيطرة أفضل وأكثر مركزية على مراقبة الأمراض وممارسات الصحة العامة.

في العديد من البلدان النامية، بما في ذلك باكستان، يتم فصل أسواق الماشية ومزارع الدواجن تماماً عن وزارات الصحة العامة، ولا يوجد أي تواصل أو تنسيق في ما بينها، وهذا من شأنه أن يزيد من خطر الإصابة بأمراض حيوانية يصعب على القطاع الزراعي احتواؤها بسبب نقص المعدات، ويمكن أن يؤدي أيضاً إلى سياسات متناقضة تضر بصحة الإنسان في نهاية المطاف.

في هذه المرحلة، يمكن لاتفاقيات التنسيق الإقليمية والوكالات الدولية مثل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة والمنظمة العالمية لصحة الحيوان أن تساعد من خلال إنشاء حملات توعية وتقديم منح للمزارع، التي تتواصل مع الوزارات والمؤسسات المحلية. بالإضافة إلى ذلك، يجب على المنظمات الدولية، التي تُركز على التغذية والصحة والزراعة إدراك أن نماذج عملها اليومية لم تعد مقبولة.

التنظيم المتساهل أو غير الموجود لأسواق الحيوانات هو ما أسهم في اندلاع أزمة وباء (كوفيد 19)، إذا لم نتصرف بناء على هذا الدرس بسرعة، فقد نضطر إلى تعلمه مرة أخرى قريباً.

* أستاذ الهندسة الطبية الحيوية والصحة الدولية بجامعة بوسطن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات