أمريكا اللاتينية.. 3 فخاخ على طريق التنمية

صورة

شكلت موجة الاحتجاجات الشعبية التي هزت أمريكا اللاتينية في أواخر عام 2019 نقطة تحول لم تقتصر على سياسات الدول التي شهدت تلك الاحتجاجات، بل امتدت لتشمل كيفية فهمنا للتنمية طويلة الأجل في المنطقة. وها هي أزمة مرض فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) تؤثر بالفعل في مستويات المعيشة وتُحدث تحولا في تصورات وتوقعات العامة بطرق لا يزال من الصعب فهمها، ناهيك عن علاجها. ولن يستطيع واضعو السياسات معالجة السخط المتنامي، والعمل بشكل جماعي إلا بإعادة النظر في العقود الاجتماعية القومية، وإطلاق عمليات واسعة من الحوار.

بداية، هناك أسئلة جوهرية عديدة يجب التصدي لها، منها مثلاً: ما العقبات التي تعوق تنمية المنطقة؟ هل المؤسسات العامة مؤهلة للاستجابة بشكل مناسب لتطلعات المواطنين الجديدة ومخاوفهم الوطنية الناشئة؟ كيف نستطيع تمكين المواطنين من عرض مطالبهم المستجدة بصورة فعالة وجعل الحكومات عرضة دوماً للمساءلة والمحاسبة؟

كان للاحتجاجات التي اشتعلت وقع المفاجأة على المراقبين، نظراً لتحسن الوضع الاجتماعي الاقتصادي في أمريكا اللاتينية في العقد الأخير. غير أن تلك المنطقة تواجه الآن ثلاثة «فخاخ تنموية» رئيسة ــ وهي في واقع الأمر مجموعة من الدوائر المفرغة التي تمنع الدول من التقدم نحو رخاء أكبر.

الفخ الأول: فخ مؤسسي، حيث تسبب مزيج من ارتفاع سقف التطلعات، وانعدام الثقة المتنامي من جانب الشعوب، والشعور بالسخط تجاه المؤسسات العامة في تقويض «الدافع المعنوي لدفع الضرائب» ــ إذ أضحت الشعوب أقل استعداداً لدفع الضرائب ــ مما صعّب على الحكومات تمويل خدمات عامة أفضل، أو الاستجابة للمطالب الاجتماعية الجديدة.

في عام 2018 مثلاً، لم تتجاوز نسبة من يثقون بحكوماتهم من شعوب أمريكا اللاتينية 25%، هبوطاً من 39% في 2006، كما لم تتعد نسبة من أبدوا رضاهم عن خدمات الرعاية الصحية 42% (مقابل 57% في 2006). لكن ربما كان من أكثر الأمور اللافتة للانتباه شعور 53% من سكان المنطقة بأنهم محقون في عدم دفع ضرائبهم في عام 2016.

يكمن الفخ الثاني في هشاشة الوضع الاجتماعي، حيث أدى تقدم الاقتصاد الكلي في أمريكا اللاتينية خلال العقد الفائت إلى تضخم «طبقة متوسطة هشة» باتت تضم نحو 40% من سكان المنطقة.

ورغم خروج أعضاء تلك الفئة ــ الذين يتراوح دخلهم اليومي بين 5.5 و13 دولاراً ــ من دائرة الفقر المدقع، فإنهم بشكل عام يعملون بوظائف غير رسمية، ويكسبون دخولاً منخفضة أو غير مستقرة، ويفتقرون إلى الحماية الاجتماعية، الأمر الذي يمنعهم في الغالب من البحث عن وظائف أفضل أو أكثر استقراراً، ويجعلهم وأسرهم عرضة دائمة لخطر الانزلاق مرة أخرى إلى هوة الفقر.

أخيراً، تواجه كثير من دول أمريكا اللاتينية فخ انخفاض الإنتاجية أيضاً، نظراً لتخصصها في صادرات القطاع الأوّلي غير المعقدة، وبالتالي تجد تلك الدول معاناة في المشاركة في الشرائح ذات القيمة المضافة الأعلى من سلاسل القيمة العالمية وإيجاد فرص عمل جيدة.

كما أن الاعتماد على صادرات السلع يخلق روابط قليلة وغير كافية بالاقتصاد المحلي، مما يخلف وراءه الكثير من القطاعات غير التنافسية أو المتخلفة تقنياً. ويكفي لذلك مثلاً هبوط إنتاجية العمل في أمريكا اللاتينية، مقارنة بالاتحاد الأوروبي، من 78% إلى أقل من 40% منذ خمسينيات القرن الماضي.

بالإضافة إلى تلك التحديات البنيوية المترسخة منذ زمن بعيد، يتحتم على صانعي السياسات في أمريكا اللاتينية أيضاً النظر في تأثير وسائل الإعلام الجديدة وتقنيات الاتصال. ففي عالم يتزايد ترابطه يوماً بعد الآخر، أضحى المواطنون، حتى من يتساوون من حيث الإيسار المادي، أشد حساسية لمقارنات الرفاهية مع نظرائهم ــ من ناحية الفئة العمرية أو النوع مثلا - من داخل بلادهم أو خارجها.

لا شك في أن الإجراءات الإدارية لإصلاح القطاعات ضرورية، لكنها لا تكفي للتغلب على فخاخ التنمية في أمريكا اللاتينية. فالمنطقة بحاجة إلى بداية جديدة. إن كسر الأسباب المحركة للإحباطات المتصاعدة يستلزم رداً قوياً لا يقل عن تجديد أسس المواثيق الاجتماعية الوطنية، ووضع ضمانات لوصول صوت المواطنين العاديين والاستماع إليهم من خلال عملية من المداولات العامة.

بالتأكيد سيستغرق مثل هذا الأمر وقتاً، وستحتاج كل دولة إلى إيجاد منهجها الخاص لتحويل رؤيتها الجديدة للتنمية إلى استراتيجية وطنية فعالة. ومع هذا فإننا نقترح ثلاث نقاط يمكن الانطلاق منها.

أولاً: تحتاج دول أمريكا اللاتينية إلى قياسات للإلمام بالأوجه متعددة الأبعاد لرفاهية المواطنين، وبالتالي ستتمكن من تجاوز مرحلة المؤشرات التقليدية للاقتصاد الكلي مثل الناتج المحلي الإجمالي ومؤشر (معامل) جيني الخاص بتوزيع الدخل.

هذه خطوة مهمة وحاسمة نحو نهج أوسع قاعدة وأكثر فعالية لوضع السياسات. ويتطلب اتخاذ تلك الخطوة ضرورة قيام مكاتب الإحصاء الوطنية ووزارات الاقتصاد بتعزيز مبدأ قياس الرفاهية والسعي لتحقيقها كأهداف جوهرية للسياسات في الوثائق والخطط وتقارير الميزانيات الحكومية.

ثانياً: رغم تعلق استجابات السياسات عادة بقطاع بعينه، فإن القضايا التي تسعى تلك الاستجابات لمعالجتها لا تكون كذلك. نتيجة لذلك، قد ينظر المواطنون إلى السياسات الحكومية على أنها منفصلة عن واقع الاقتصاد الكلي.

لذا تحتاج أمريكا اللاتينية بدلاً من ذلك إلى استراتيجيات وطنية قوية تدعم التنسيق بين القطاعات وعبر المستويات الحكومية المختلفة، وتحتوي على مزيج واضح ومفصل من السياسات وتسلسل لوضع السياسات. وسيكون من الضروري هنا إنشاء آليات لمراقبة وتقييم تنفيذ تلك الاستراتيجيات.

أخيراً، وليس آخراً، تحتاج أمريكا اللاتينية إلى استراتيجيات تشاركية تضمن تمكين المواطنين (من المشاركة) في كل مراحل عملية وضع السياسات، إذ ينبغي أن تشمل الاستراتيجيات الوطنية نطاقاً عريضاً من الأطراف الفاعلة وأن تستفيد من تنوع المعرفة ووجهات النظر. فضلاً عن ذلك، ينبغي أن تكون الاستراتيجيات قائمة على المكان، بحيث تعكس الاختلافات بين أقاليم الدولة الواحدة وتحشد الموارد المحلية للتنمية.

رغم أنه لا تزال هناك رحلة طويلة أمام أمريكا اللاتينية لإدراك التنمية، يجب على صانعي السياسات في المنطقة أن يبادروا الآن بالاستجابة لمطالب المواطنين. وبوسع الحكومات توطيد أسس الرفاهية والثقة والرخاء طويل الأجل بالتحرك السريع لمعالجة أسباب الإحباط الشعبي.

* مدير مركز التنمية التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمستشار الخاص لأمين عام المنظمة لشؤون التنمية.

** خبيران اقتصاديان في مركز التنمية التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

طباعة Email