قد تنفرج الإغلاقات الناجمة عن فيروس (كوفيد 19) تدريجياً، إلا أن القلق بشأن التوقعات الاجتماعية والاقتصادية يتفاقم حول العالم.
هناك سبب وجيه يستدعي القلق، فنحن نشهد بالفعل بداية ركود اقتصادي حاد، وقد نواجه كساداً اقتصادياً هو الأسوأ من نوعه منذ فترة الثلاثينات، وبينما تبدو هذه نتيجة محتملة إلا أنه لا مفر منها.
لتحقيق أفضل النتائج، يجب على العالم مظافرة جهوده والعمل بشكل مشترك وسريع لتجديد كلّ ما يتعلّق بمجتمعاتنا واقتصاداتنا، بداية من الجوانب التعليمية وصولًا إلى العقود الاجتماعية وظروف العمل. يتوجب على كافة الدول، من الولايات المتحدة إلى الصين، المشاركة في هذه العملية، كذلك يتوجب تحويل كافة الصناعات من النفط والغاز إلى التكنولوجيا. وباختصار، فإننا بحاجة إلى «إعادة ضبط شامل» للرأسمالية.
أسباب عدّة تدفعنا إلى إعادة ضبط شامل، إلا أن الأمر الأكثر إلحاحاً يتلخص بفيروس (كوفيد 19). فبعد أن أودى بحياة مئات الآلاف شخص، فإن هذا الوباء يُمثل إحدى أسوأ أزمات الصحة العامة في التاريخ الحديث. وفي الوقت الذي لا تنفك فيه الخسائر البشرية تزداد حول العالم وتتضاعف الازمات الاقتصادية، لا يسعنا القول أن نقول إلا أن النهاية لا تزال بعيدة.
إن مستوى التعاون والطموح الذي يتطلّبه هذا الأمر غير مسبوق، إلا أنه ليس حلماً مستحيلاً، ففي الواقع، تمثلت أحد الجوانب المضيئة لهذا الوباء في إثبات مدى السرعة التي نستطيع بها إجراء تغييرات جذرية على أنماط حياتنا، حيث إن الأزمة أجبرت، وعلى الفور تقريباً، الشركات والأفراد التخلي عن ممارسات لطالما ادعى البعض أنها ضرورية، كالسفر الجوي المتكرر والعمل من المكتب.
ومن الواضح أن الرغبة في بناء مجتمع أفضل موجودة بالفعل. ويجب أن نستغلها لتأمين إعادة الضبط الشامل الذي نحن في أمس الحاجة إليه. وسيتطلب ذلك حكومات أكثر قوة وفعالية، وإن كان هذا لا يعني دفعاً أيديولوجياً لصالح حكومات أكبر.
كما سيتطلب مشاركة القطاع الخاص في كل خطوة. سيكون لأجندة أعمال إعادة الضبط الشامل ثلاثة عناصر رئيسية، الأول، سيوجّه السوق نحو نتائج أكثر عدالة. ولتحقيق هذه الغاية، لا بد للحكومات من تحسين التنسيق وتحديث الترتيبات التجارية، وتهيئة الظروف المواتية لـ «اقتصاد أصحاب المصلحة».
علاوة على ذلك، يجب على الحكومات تنفيذ الإصلاحات التي طال انتظارها لتعزيز النتائج الأكثر إنصافاً. واعتماداً على الدولة، قد تتضمن هذه الإجراءات إدخال تعديلات على الضرائب المفروضة على الثروات، وسحب الدعم على الوقود الأحفوري، وفرض قوانين جديدة تحكم الملكية الفكرية والتجارة والمنافسة.
أما العنصر الثاني في أجندة «إعادة الضبط الشامل» فسيضمن تقديم الاستثمارات أهدافاً مشتركة، مثل المساواة والاستدامة. وهنا، تُمثل برامج الإنفاق واسعة النطاق التي تنفذها العديد من الحكومات فرصة كبيرة للتقدم.
ويتمثل العنصر الثالث والأخيرة لجدول أعمال «إعادة الضبط الشامل» في تسخير ابتكارات الثورة الصناعية الرابعة لدعم الصالح العام، لاسيما من خلال معالجة التحديات الصحية والاجتماعية. فأثناء أزمة (كوفيد 19)، ظافرت الشركات والجامعات وغيرها من المؤسسات جهودها من أجل تطوير التشخيصات والعلاجات واللقاحات المحتملة، وإنشاء مراكز اختبار، ووضع آليات لتتبع العدوى، وتقديم الطب عن بُعد. تخيل ما يمكن تحقيقه إذا ما بُذلت جهوداً متضافرة مماثلة في كل قطاع. تؤثر أزمة فيروس (كوفيد 19) على كل جانب من جوانب حياة الناس في كل ركن من أركان العالم.
ولكن ليس من الضروري أن تكون المأساة هي الإرث الوحيد الذي خلفته هذه الأزمة، بل يمكن أن يُمثل الوباء، على العكس من ذلك، فرصة نادرة ولكن محدودة للتأمل في عالمنا وإعادة تصوره وإعادة ضبطه لخلق مستقبل أكثر صحة وإنصافاً وازدهاراً.
* مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ورئيسه التنفيذي
