إن جائحة مرض فيروس كورونا (كوفيد 19) أشبه بقنبلة زمنية موقوتة في أفريقيا. الواقع أن بعض المخاطر موثقة على نطاق واسع. فأنظمة الرعاية الصحية ضعيفة ومُـثـقَـلة بما لا تطيق، حيث أوردت تقارير أن عشرة بلدان في أفريقيا ليس لديها أجهزة مساعدة تنفس على الإطلاق. والإمدادات الغذائية غير مستقرة، وتعاني بالفعل من ارتباكات كبرى. وأكثر من 18 مليون شخص لاجئون أو نازحون داخلياً، مما يجعلهم عُـرضة للخطر بشكل خاص. لكن هناك عقبة أخرى كبرى أمام الاستجابات الـفَـعّـالة لجائحة «كوفيد 19»، كانت موضع تجاهل إلى حد كبير، وتتمثل في الفساد المنتشر على نطاق واسع.

يسعى المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود لمساعدة أفريقيا في مكافحة الجائحة. فقد عَـلَّـق صندوق النقد الدولي سداد أقساط ديون 25 دولة (أغلبها أفريقية) للأشهر الستة المقبلة. وتعمل مجموعة البنك الدولي على إتاحة حزمة تصل إلى 12 مليار دولار من الدعم الفوري لإعانة البلدان النامية على التعامل مع الجائحة. وسوف تُـخَـصِّـص المليارات من دولارات المساعدة لأفريقيا.

ومع ذلك، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن ما يصل إلى 25 % من تمويل المشتريات العالمية يُـفـقَـد بسبب الفساد. مثل هذه الخسائر المنتشرة في العديد من البلدان الأفريقية، حيث يستغل مسؤولون حكوميون كبار والمتعاونون معهم دولياً السياسة والموارد العامة لإثراء أنفسهم.

حتى الأدوية الممنوحة للفقراء سُـرِقَـت وأعيد بيعها من أجل الربح. وكانت عقود المشتريات الحكومية موضوع تلاعب وإساءة استخدام. هذا فضلاً عن تحويل أموال المساعدات الخارجية إلى حسابات خاصة.

لكن أغلب المسؤولين وقادة الأعمال الفاسدين لا يرون زنزانة السجن من الداخل أبداً. فإن سرقة أموال السكان الضعفاء هي من منظورهم العمل المعتاد، ونظراً لعلاقاتهم القوية فإن العقاب هو أبعد شيء عن أذهانهم غالباً.

ولعل هذا يصدق بقدر أكبر من الوضوح أثناء أزمة «كوفيد 19»، لأن القيود المفروضة على الحركة والتنقل وعمليات إغلاق المكاتب والهيئات الحكومية تسببت في عرقلة وتعجيز عمل مكافحة الفساد الذي تقوم به الهيئات الرقابية، والناشطون، والصحافة. وإذا لم يتخذ إجراء عاجل لمعالجة هذه المشكلة، فقد تواجه العديد من البلدان الأفريقية معدلات وفاة أعلى كثيراً، ليس فقط بسبب «كوفيد 19»، بل وأيضا نتيجة لعدم كفاية الدعم الاقتصادي وسبل الحماية الاجتماعية.

يتوقف تجنب هذه النتيجة على التهديد الجدي بالعقاب لكل من يُـضـبَـط وهو يسرق الأموال العامة أو يتسبب بطريقة أخرى في عرقلة جهود الاستجابة لـ«كوفيد 19» لتحقيق مكاسب شخصية. ما يدعو إلى التفاؤل أن الآليات اللازمة لفرض مثل هذه العقوبات موجودة بالفعل: مجموعة من السياسات المالية الصحيحة المجربة من قِـبَـل الحكومات، والمؤسسات المتعددة الأطراف، والبنوك في مختلف أنحاء العالم.

في الولايات المتحدة، يمنح قانون ماجنيتسكي العالمي للمساءلة بشأن حقوق الإنسان مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة سلطة فرض عقوبات على كل من يتورط في أعمال فساد في القطاع العام. وتندرج سرقة، أو تحويل، أو عرقلة الموارد المخصصة للاستجابة لأزمة «كوفيد 19» تحت هذه الفئة تماماً.

ويتمتع مكتب مراقبة الأصول بنفوذ عالمي حقاً. فنظراً للمكانة العالمية العالية التي يتمتع بها الدولار، فإن الغالبية العظمى من المعاملات المالية الدولية تمس النظام المالي الأميركي. ونتيجة لهذا، يستطيع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية أن يعزل فعلياً كيانات بعينها عن النظام المالي الدولي.

كما تستطيع شبكة إنفاذ قوانين مكافحة الجرائم المالية، وأن تلعب دوراً رئيسياً في هذا الصدد.

وتستطيع البنوك العاملة في أفريقيا أن تعمل بشكل مستقل على تعزيز الأطر التي تستخدمها لتقييم المخاطر وفحص المعاملات، من أجل الكشف عن الأنشطة المشبوهة في تدفقات التمويل المرتبطة بالجائحة.

في الوقت ذاته، يتعين على الحكومات والمؤسسات المالية أن تبذل المزيد من الجهد لدعم منظمات المجتمع المدني الأفريقية، والشركات المسؤولة، والمسؤولين المهتمين الذين يدقون نواقيس الخطر ويشيرون إلى الفساد.

خلال أي جائحة مَـرَضية، ينشأ إغراء التركيز على حماية الصحة العامة وتعزيز التعافي الاقتصادي وحسب. لكن الفشل في مواصلة ــ بل وحتى تكثيف ــ الكفاح ضد الفساد من الممكن أن يقوض هذه الجهود بشدة. ولن يتسنى لنا ضمان استجابة المسؤولين الحكوميين ونخب الأعمال لاحتياجات الناس الملحة، بدلا من التربح من بؤسهم، إلا من خلال فرض عواقب ذات مصداقية يتحملها كل من ينخرط في ممارسات فاسدة تفضي إلى تعطيل أو عرقلة الاستجابات لجائحة «كوفيد 19».

 

* * مشارك مؤسس، مع جورج كلوني، لمنظمة «الرقيب» (The Sentry)

opinion@albayan.ae