إن أحد الأشياء القليلة التي لم تتأثر بحقبة فيروس «كورونا» المستجد (كوفيد 19)، هو هذا الكم الهائل من الأخبار عن الجائحة، وطبعاً نحن نتفهم أن الفيروس قد نتج عنه تدفق لا يتوقف من الأخبار عن انتشاره، وتعليمات عن كيفية تجنبه والنجاة منه، بالإضافة إلى تحليل أسبابه وعلاجه، وتخمينات عن تأثيره في أساليب العمل والصحة النفسية والاقتصاد والشؤون الجيوسياسية، وغيرها الكثير.

إن فترة الاحتجاز المنزلي الخاصة بي، قد نتج عنها التأملات التالية، التي أضيفها هنا، مع شعوري بالتواضع أمام جوقة أصوات الخبراء.

بادئ ذي بدء، قرأت كتاب كلاوس ميوهان «كيف نجعل الصين عصرية»، حيث لاحظ ميوهان أنه في علم الكونيات الصيني، فإن العوالم البشرية والطبيعة مرتبطة بشكل وثيق، حيث كتب «عندما كان هناك احترام للنظام الصحيح، فإن العالم الطبيعي كان يسير بسلاسة، وازدهر العالم البشري، ولكن عندما لم يعد هناك احترام لذلك النظام، حدثت وقائع غريبة ومدمرة، مثل الزلازل أو الفيضانات أو الكسوف، أو حتى الأوبئة».

بأي منطق يمكننا القول إن «كوفيد 19»، ربما كان نتيجة لعدم احترام «النظام الصحيح» للأشياء؟ في الفكر الصيني، فإن النظام الصحيح يتعلق بالحكم الصحيح، وهذا يتضمن المحافظة على العلاقة الصحيحة بين العوالم البشرية والطبيعية.

إن جائحة ما، توحي بأن أسلوب عيشنا أصبح ينتهك تلك العلاقة. تعتقد الخبيرة الصحية الانا شيخ، أن من المؤكد أنه سيكون هناك أوبئة كثيرة قادمة «نتيجة للطريقة التي نتفاعل فيها نحن البشر مع كوكبنا».

باعتقادي، لا بد أن تقوم حكومات مجموعة السبع، بإصدار سند «كوفيد 19» العالمي، بحيث يتم تخصيص العوائد لمنظمة الصحة العالمية بعد إصلاحها وإعطائها تفويضاً محدداً ببناء القدرات الطبية لجميع بلدان العالم، لتصبح مثل مستويات الدول المتقدمة، على الرغم من أنه، وباعتراف الجميع، حتى القدرات الطبية للبلدان المتقدمة، كانت غير كافية في مواجهة «كوفيد 19». إن هذا الإنفاق من قبل منظمة الصحة العالمية، يجب أن يكون إضافياً، للإنفاق التنموي من البنك الدولي.

إن هناك نقطة منطقية أخرى تذكرها الانا شيخ، وهي «إن أنظمة طلب المستلزمات عند الحاجة، هي أنظمة ممتازة، عندما تكون الأمور تسير بشكل جيد، ولكن في وقت الأزمة، فإن هذا يعني أنه ليس لدينا أي احتياطات».

إن هذا يعني أنه لو نفذت مستلزمات الحماية الشخصية من مستشفى ما أو بلد ما، فإنه يجب على ذلك المستشفى أو البلد، أن يطلب من مورد (غالباً في الصين)، وأن ينتظر أن ينتج هؤلاء الموردون تلك البضائع، ومن ثم شحنها.

إن هذا التحليل النقدي، ينطبق على ما هو أكثر بكثير من المشتريات الطبية، فهو يتحدى النظرية التقليدية في دنيا الأعمال، والمتعلقة بالشراء عند الحاجة، حيث إنه طبقاً لتلك النظرية، فإن الاحتياطات تكلف الأموال. إن الأسواق الفعالة لا تتطلب من الشركات أن يكون لديها مخزون من السلع، بل فقط ما يكفي لتلبية احتياجات الزبائن عند الطلب.

إن الاحتفاظ باحتياطات مالية من أجل الأيام العصيبة، يعتبر من التبذير، كذلك، طبقاً لتلك النظرية، وذلك بسبب أنه في الأسواق الفعالة، لا توجد أيام عصيبة، وعليه، يجب الاستفادة من الشركات إلى أقصى درجة.

إن هذا الطرح جيد، طالما لا يوجد أحداث غير متوقعه، ولكن عندما يشهد العالم «صدمة»، مثل الانهيار المالي الذي حصل سنة 2008، فإن نموذج السوق الفعال ينهار، ومعه ينهار الاقتصاد، وهناك شيء مماثل يحصل حالياً لخدماتنا الطبية.

إن مفهوم الطلب عند الحاجة، يجب أن يتم استبداله بمفهوم الطلب على سبيل الاحتياط، علماً أنه من الأفضل أن تحتفظ هيئة دولية ما باحتياطي استراتيجي من التوريدات الطبية اللازمة، لدعم الحياة لفترة محدودة (ثلاثة أشهر على سبيل المثال)، في مواجهة مجموعة محددة من التهديدات للصحة العامة.

إن فيروس «كوفيد 19»، والذي يبدو مخيفاً الآن، قد ينتهي به المطاف لأن يكون فيروساً خفيفاً جداً، ويمكن السيطرة عليه، بحيث يفشل في أن يحدث الصدمة المطلوبة لإجبارنا على التخلي عن عاداتنا، وفي واقع الأمر، يعتقد عالم النفس، والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، دانيال كانمان، أنه «لا يوجد أي قدر من التوعية النفسية ستتغلب على تردد الناس في خفض مستوى معيشتهم».

لكن سيكون من غير الحكمة، الاستمرار في الاعتماد على الحلول التقنية لإخراجنا من المشاكل التي أوقعتنا بها أنماط حياتنا المسرفة، لأنه عاجلاً آم آجلاً، سوف نستنفد الحلول الطبية لمشكلة «النظام الصحيح»، حيث يجب علينا أن نستغل التوقف الحالي عن العمل، المفروض علينا، للتفكير في حلول ناجحة.