كان الإغلاق غير المسبوق لقسم كبير من الاقتصاد الأمريكي الذي فرضته الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات والحكومات المحلية في الولايات المتحدة مفهوماً في ضوء الاحتياج إلى إبطاء انتشار فيروس كورونا.

ولكن في كثير من الأحيان، تتسبب التدخلات الحكومية حسنة النوايا وطويلة الأمد غالباً في منع الأسواق من العمل على النحو اللائق وهي بالتالي تضر أكثر مما تنفع. حتى في أوقات الأزمات، تحل الأسواق المشكلات بشكل جيد، لأنها توفر الحوافز المناسبة لاستخدام الموارد بشكل فعّـال.

لذا، ينبغي لصناع السياسات الذين يتعاملون مع جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد 19) أن يبذلوا كل جهد ممكن للإبقاء على الأسواق عاملة والحوافز الخاصة قوية. ومن الممكن أن نستعين بالتاريخ كدليل مفيد في هذا الصدد.

بادئ ذي بدء، يجب أن تفرض الحكومات الحد الأدنى من القيود على الشركات والموظفين عند تسخير القطاع الخاص لأغراض الطوارئ المؤقتة ــ سواء لإنتاج الدبابات في الحرب العالمية الثانية أو أجهزة مساعدة التنفس الآن. تتسبب السياسات الحكومية العَرَضية المفرطة في العدوانية غالباً في عرقلة التعافي والإضرار بصحة الاقتصاد في الأمد البعيد.

في أغلب الحالات (مع بعض الاستثناءات المعقولة)، يكون الإقلال من التنظيم وصفة جيدة للنجاح الاقتصادي. اليوم، على سبيل المثال، لماذا لا نخفف شروط الترخيص المهني للمتقاعدين من الأطباء وأطقم التمريض للمساعدة على تخفيف الضغوط عن المستشفيات المرتبكة بسبب الأعداد المفرطة من المرتادين؟

والحفاظ على المسؤولية الفردية أمر بالغ الأهمية أيضاً. كانت التدخلات الحكومية المتكررة في المنازعات العمالية الكبرى أثناء إدارتي الرئيس جون كينيدي والرئيس ليندون جونسون تنتهي دوماً إلى التسوية في البيت الأبيض.

وقد تسبب ذلك في تدمير المساومة الخاصة، لأن المسؤولين التنفيذيين والنقابات لم يقدموا أفضل ما لديهم من عروض حتى وصلوا إلى واشنطن. ولكن عندما وجد الرئيس ريتشارد نيكسون نفسه في مواجهة إضراب من قِبَل عمال الموانئ في عام 1969، أخبر الأطراف جميعها أنهم لا بد من أن يتحملوا المسؤولية وأن يتوصلوا إلى تسوية الأمر بأنفسهم؛ وبمجرد تلقيهم تلك الرسالة فعلوا ذلك حقاً.

ثانياً، لا ينبغي لصناع السياسات أن يتدخلوا في التسعير. بعد أن ورثت ضغوطاً تضخمية في مختلف قطاعات الاقتصاد، فرضت إدارة نيكسون في نهاية المطاف ضوابط إلزامية على الأجور والأسعار في عام 1971، بدعم واسع من الحزبين.

ورغم أن هذه التدابير بدت كأنها ناجحة في البداية، فإنها انتهت إلى إلحاق الأذى بالاقتصاد. على النقيض من ذلك، عاد الرئيس رونالد ريجان إلى سياسات الاقتصاد الكلي المجربة والحقيقية، فرفع الأعباء التنظيمية، وسارع إلى خفض معدلات الضرائب ــ وكل هذه التدابير نجحت في ما فشلت فيه التدخلات الحكومية السابقة.

يتلخص مبدأ مرشد آخر في السماح للأسواق بالتكيف. في صيف عام 1971، تسبب الإنفاق بالعجز والتضخم المحلي في الولايات المتحدة في المبالغة في تقدير قيمة الدولار، ما أدى إلى التهافت على الخزانة العامة، في حين بدأت الدول الأوروبية باسترداد عملاتها بسعر ثابت للذهب. ثم أغلق نيكسون نافذة الذهب وبدأ يتحرك نحو نظام عالمي لأسعار الصرف المرنة.

بعد كفاح في مستهل الأمر في الدفاع عن النظام الجديد، انتهى الأمر إلى نجاحه في العمل على نحو جيد. ولا ينبغي لصناع السياسات أن يتركوا شهامة عامة الناس تحل محل الأسواق الخاصة. بعد فترة وجيزة من سقوط سور برلين، انزلق زعيم الاتحاد السوفييتي ميخائيل جورباتشوف إلى ورطة سياسية لأن اقتصاد بلاده كان في انهيار.

وفي محاولة لتجنب «خسارة روسيا»، حث قادة العالم الولايات المتحدة على قيادة عملية إنقاذ ضخمة، بما في ذلك إرسال كميات ضخمة من القمح الفائض لدى الحكومة الأمريكية. ولكن هذا كان ليدمر الزراعة السوفييتية، التي كانت تحررت جزئياً من ضوابط وقيود المخططين. بدلاً من ذلك، عمدت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب إلى تقليص مساعداتها، وتولت الأسواق حل الأزمة.

يتعين على المزيد من الحكومات أن تستوعب حقيقة مفادها أن الأسواق المفتوحة تعمل على تحسين النتائج الاقتصادية. من الأهمية بمكان الآن حل التدخلات الجارية في السوق اليوم. في بعض الأحيان، يتعين على الحكومة أن تعمل على منع إساءة استخدام التدابير الحكومية التي كانت مرغوب فيها سابقاً والسماح لها بتهديد عمل الأسواق الحيوية.

وعلى الحكومات أن تتوخى الحذر وأن تحرص على أن يكون تدخلها لائقاً. في أعقاب الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر/‏‏‏ أيلول 2001، عملت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش على الإبقاء على الأسواق مفتوحة.

وكانت المهمة المباشرة تتلخص في قطع التمويل عن تنظيم القاعدة من دون تعطيل التدفقات المالية العالمية اللازمة لدعم النمو الاقتصادي. وقد أثبتت تلك الاستراتيجية نجاحها فلم يتأثر الاقتصاد، وفي قت لاحق، منحت لجنة الحادي عشر من سبتمبر استجابة السياسة الاقتصادية التي قدمتها الإدارة أعلى تقديراتها على الإطلاق.

أخيراً، يتعين على صناع السياسات أن يركزوا على التأثير الاقتصادي. خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008، أقر الكونجرس الأمريكي حزمة «تحفيز» مؤقتة من الحسوم الضريبية، بينما بدأت عقلية الإنقاذ في وقت سابق من ذلك العام بإنقاذ بنك بير شتيرنز الاستثماري.

ولكن الناس ادخروا الحسوم الضريبية في الأغلب، واستمر الاقتصاد في الانهيار. ولهذا، أثناء جائحة كوفيد-19، يجب تشجيع دافعي الضرائب الأمريكيين على إنفاق الدفعات النقدية المؤقتة التي يتلقونها من الحكومة الفيدرالية ــ بما في ذلك في أجزاء من الاقتصاد لا تزال تعمل وقد تنمو في المستقبل، مثل المبيعات عبر الإنترنت والعمل عن بُـعـد.

إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من حتميات الصحة العامة اليوم، يتعين على الولايات المتحدة أن تعمل على تطوير استراتيجية اقتصادية لا تتجاوز عمل الأسواق. وسوف يتطلب التنفيذ الفعّال لمثل هذه السياسات التفاعل المستمر بين الحكومة والقوى الفاعلة في القطاع الخاص، خشية أن يتسبب الجمود البيروقراطي والروتين غير الضروري في إبطاء الأمور. كان هذا هو الدرس الرئيس المستفاد من أزمات عديدة على مدار الزمن: حافظوا على انفتاح الأسواق وقوة الحوافز الخاصة.

* وزير الخارجية في الولايات المتحدة خلال الفترة (1982 ـــ 1989)، ووزير الخزانة (1972 ـــ 1974)، ووزير العمل (1969 ـــ 1970)، وهو زميل مؤسسة هوفر.

** أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة ستانفورد وكبير زملاء مؤسسة هوفر، وشغل سابقاً منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس جورج بوش الأب في الفترة من 1989 إلى 1993.

 

*** وكيل وزارة الخزانة الأمريكية سابقاً في الفترة من 2001 إلى 2005، وهو أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة ستانفورد.