إذا كانت الأزمة المالية العالمية التي اندلعت عام 2008 كشفت عن أسوأ ما في الرأسمالية، فإن استجابة القطاع الخاص لجائحة فيروس «كورونا» (كوفيد- 19) تستعرض بالفعل أفضل ما فيها.
تجاوزت حالات الإصابة بعدوى كوفيد- 19 حتى الآن المليوني مصاب في مختلف أنحاء العالم، وكانت حصيلة الوفيات فوق 154 ألف وفاة ولا تزال في ارتفاع. ويظل المدى الكامل للأثر الاقتصادي العالمي مجهولاً.
ما نعرفه على وجه اليقين هو أن العالم يحتاج على وجه السرعة إلى استجابة هرقلية جبارة من جانب الحكومات والقطاع الخاص لتجنب الركود المدمر. منذ اندلعت أزمة 2008، واجهت الشركات انتقادات شديدة القسوة وحتى اتهامات بتعظيم أرباحها دون مراعاة احتياجات المجتمع الأوسع.
ولكن اليوم، نرى الشركات تحرص على تصعيد جهودها في الاستجابة لأزمة صحية عالمية. في حين أن بعض الشركات ستحتاج إلى مساعدة حكومية لكي تتمكن من البقاء، نظرا لجسامة الأزمة وشدتها، فإن شركات أخرى بوسعها أن تعمل على تخفيف العبء الإجمالي عن الحكومات من خلال العمل كجزء من الحل.
بادئ ذي بدء، قامت شركات الأدوية الرائدة بإعادة توجيه مواردها نحو تطوير التشخيصات، والعلاجات، واللقاح كما نأمل، لمرض كوفيد-19. على سبيل المثال، أنتجت شركة الرعاية الصحية السويسرية العملاقة «روش» أول اختبار معتمد تجارياً للكشف عن الإصابة بعدوى كوفيد-19.
وسوف يساعد القرار الذي اتخذته إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بمنح الشركة إذناً طارئاً لبيع اختبارها للمختبرات في الولايات المتحدة في إحداث تحسن كبير في قدرة أمريكا المتأخرة على إجراء الاختبارات.
من جانبها، حسبما أوردت التقارير. وفي الوقت ذاته، قامت بعض شركات التأمين الصحي ــ وخاصة في الولايات المتحدة، بتعديل شروطها لتمكين الناس من الحصول على الرعاية الطبية التي يحتاجون إليها.
كما تساهم صناعات أخرى كثيرة، مثل شركات إنتاج السيارات، من خلال إعادة نشر مواردها من الأنشطة المدرة للدخل إلى إنتاج المعدات الحيوية، مثل معدات الحماية للعاملين الصحيين في الخطوط الأمامية (بما في ذلك الأقنعة الجراحية، وأغطية الوجه، والعباءات) وأجهزة مساعدة التنفس. وهناك أيضاً الكثير من الشركات التي قدمت مبادرات مهمة بالشأن.
وقد ساعدت شركات خاصة أيضاً في تسهيل الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي والحجر الصحي. وتعهدت شركة أمازون، على سبيل المثال، بإنشاء 100 ألف وظيفة جديدة بأجر أعلى من الحد الأدنى للأجور. وتصبح هذه الجهود عظيمة القيمة بشكل خاص في وقت، حيث تساهم عمليات الإغلاق القسري في ارتفاع معدلات البطالة.
الواقع أن تدخلات القطاع الخاص تعمل على تحرير الموارد العامة لأنشطة تقع ضمن نطاق اختصاص الدولة، مثل ضمان استمرار توفير التعليم، والرعاية الصحية، والبنية الأساسية، وغير ذلك.
وعلى الحكومات أن تلاحق تدابير مالية قوية، بما في ذلك عمليات إنقاذ القطاعات الأكثر تضرراً وتقديم الدعم المباشر للعمال والشركات الصغيرة. وفي الولايات المتحدة، يجري الآن توجيه تريليوني دولار نحو مثل هذه التدابير، وهي الحزمة المالية الأكبر على الإطلاق في تاريخ الولايات المتحدة.
ستكون الحكومة مفيدة أيضاً في ضخ السيولة إلى شرايين الاقتصاد لتجنب الضائقة الائتمانية. كل هذا يشكل ضرورة أساسية لدعم الاقتصاد، وسيكون تحقيقه أصعب كثيراً لو لم يساهم القطاع الخاص في مكافحة الجائحة.
على نحو مماثل، سوف يتطلب التعافي من الركود العميق الذي يكاد يكون مؤكداً الآن، وإعادة بناء الاقتصاد العالمي، التزاماً من القطاع الخاص أيضاً، فضلاً عن معالجة ضرورات عالمية أخرى، بما في ذلك الحد من الفقر، وتوسيع القدرة على الوصول إلى التعليم الجيد، ومكافحة تغير المناخ.
يتطلب التصدي لكل هذه التحديات ذلك النوع من الإبداع الذي يمتاز به القطاع الخاص. وإذا حافظت الشركات الخاصة على بصيرتها الثاقبة، وقدرتها على التكيف، والتعاطف الذي أظهرته شركات عديدة في الأسابيع الأخيرة، فسوف تخرج من الأزمة وقد أثبتت قيمتها الحقيقية للاقتصادات والمجتمعات التي تخدمها.
