مع تسبب فيروس كورونا في تخريب اقتصاد تلو الآخر، يُـصـبِـح لزاماً على مهنة الاقتصاد ــ وبالتالي الأسس التحليلية لصنع السياسات السليمة وإدارة الأزمات ــ أن تركز على تعويض الخسارة واللحاق بالـخِصم.
ما يثير القلق بشكل خاص الآن، اقتصاديات العدوى الفيروسية، والخوف، و«قواطع الدوائر». وكلما تقدم الفِـكر الاقتصادي لمواجهة الحقائق المتغيرة، كلما أصبح التحليل الذي يرشد الاستجابة السياسية أفضل.
سوف تكون هذه الاستجابة جديدة ومكلفة حتماً. فالحكومات والبنوك المركزية تلاحق تدابير غير مسبوقة للتخفيف من حدة الانكماش العالمي، خشية أن يُـفضي الركود العالمي الذي بات مؤكداً الآن إلى الكساد (وهو ما يشكل بالفعل خطراً مرتفعاً بدرجة مزعجة).
وفي غضون ذلك، من المحتمل أن نشهد مزيداً من تآكل الفارق المميز بين اقتصاد التيار السائد في الاقتصادات المتقدمة وفي الاقتصادات النامية.
تتلخص الأولوية الفورية بطبيعة الحال في هذه الأوقات، في استجابة الصحة العامة، التي تدعو إلى التباعد الاجتماعي، والعزلة الذاتية، وغير ذلك من التدابير التي تتعارض جوهرياً مع الكيفية التي يجري بها توصيل أجزاء الاقتصادات الحديثة ببعضها بعضا. ونتيجة لهذا، حدث انكماش سريع للنشاط الاقتصادي (وبالتالي الرفاهة الاقتصادية).
أما عن مدى شدة الركود القادم ومدته، فسوف يتوقف كل شيء على نجاح استجابة السياسة الصحية، وخاصة الجهود المبذولة لتحديد واحتواء انتشار الفيروس، وعلاج المرضى، وتعزيز المناعة.
ومؤكد ستكون النتيجة المتوقعة ارتفاع مخاطر التصفية المالية بالجملة، وهو ما قد يهدد عمل الأسواق في غياب التدخلات السياسية الطارئة الذكية. وفي الأزمة الحالية، بات خطر مرور العدوى من النظام المالي إلى الاقتصاد الحقيقي وحدوث الكساد أكبر من أن نتجاهله.
يقودنا هذا إلى الأولوية التحليلية الثالثة: اقتصاديات قواطع الدوائر. السؤال هنا لا يدور حول ما قد تتمكن التدخلات السياسية الطارئة من تحقيقه وحسب، بل يمتد أيضا إلى كل ما قد يقع خارج نطاق تأثير هذه التدخلات، ومتى.
من المؤكد، في ضوء حقيقة مفادها أن تزامن تقليص نسب المديونية الاقتصادية والمالية من شأنه أن يخلف عواقب كارثية على الرفاهة المجتمعية، أن اللحظة الحالية تتطلب بوضوح نهجاً سياسياً حريصاً على «القيام بكل ما يلزم»، و«إشراك الجميع»، و«توظيف الحكومة بالكامل».
وتتمثل الأولوية الفورية في إنشاء قواطع الدوائر الكفيلة بالحد من نطاق حلقات التغذية المرتدة الاقتصادية والمالية الخطيرة. وتتولى البنوك المركزية قيادة هذه الجهود، لكن الأمر ينطوي أيضا على التدخل من قِبَل السلطات المالية وغيرها.
ولكن لن يخلو الأمر من مقايضات صعبة أيضا. وعلينا التنبه إلى أنه في غياب مبادئ محددة بوضوح تحكم أسباب وكيفية وتوقيت وشروط تقديم المساعدات الحكومية للشركات، تتعاظم احتمالات تسييس عمليات الإنقاذ، ورداءة تصميمها، واستيلاء المصالح الخاصة عليها.
وهذا من شأنه أن يقوض استراتيجيات الخروج لإعادة الشركات إلى وضعها الطبيعي، وأن يعرضنا لخطر إعادة تجربة ما بعد 2008، عندما وُضِـعَـت الأزمة تحت السيطرة ولكن دون إرساء الأساس الضروري لنمو قوي ومستدام وشامل بعد ذلك.
ولأن التدخلات الحكومية من المرجح أن تكون واسعة النطاق هذه المرة، فمن الأهمية بمكان أن يدرك صناع السياسات أيضا حدود تدخلاتهم.
