لن تكون تداعيات جائحة فيروس كورونا شبيهة بأزمة 2008 المالية، ولن يتسنى تحقيق التعافي بمنحنى على هيئة حرف (V)، أي بانخفاض حاد ثم ارتداد سريع، من خلال التحفيز التقليدي ــ ولا حتى من خلال تحفيز تقليدي ضخم حقاً. نحن في حالة حرب مع مرض فيروس كورونا 2019 (COVID-19)، وفي زمن الحرب، يتوقف الإنتاج المدني ويصبح العمل الوحيد المطلوب هو للمجهود الحربي ذاته.
علاوة على ذلك، الركود ضروري بكل أسف لوقف انتشار الفيروس. في الولايات المتحدة، أكثر من 50 % من الوظائف أصبحت معرضة لخطر تسريح العمال، والإجازات، وخفض الأجور، وساعات العمل الضائعة. وكل قطاعات الاقتصاد تقريبا ستخسر قسماً كبيراً من أعمالها، وسوف يلحق الدمار بدخول الأسر، ويتراجع إنفاق المستهلكين والشركات بسرعة. وقد بدأ انهيار التصنيع بالفعل؛ وسوف يكون قطاع الخدمات، الذي يوظف 80 % من كل العاملين، هو التالي.
وعلى هذا إن جائحة ستقودنا إلى أخرى ــ جائحة البطالة. وسوف يجلب طوفان تسريح العمالة موجة من التخلف عن سداد الديون، والإفلاس، وانخفاض الأرباح. وسوف يستمر تأثير الدومينو عبر العديد من الميادين، من انهيار عائدات الضرائب الحكومية والبلدية وفشل الأعمال التجارية إلى إفقار المجتمعات، وتراجع النتائج الصحية، والتشرد، و«الموت يأساً».
كيف ينبغي للحكومات أن تستجيب لكل هذا؟ لابد أن تكون الاستجابة مماثلة لما فعلته الحكومة الأمريكية في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت في زمن الحرب العالمية الثانية.
تتلخص الأولوية الأولى في الحشد والتعبئة. وهذا يعني بناء مستشفيات ميدانية مؤقتة، وتوفير العيادات المحمولة على مركبات، ومراكز صحة الطوارئ. كما يعني زيادة إنتاج المعدات والأدوية الأساسية، وتزويد المرافق الصحية بالعدد الكافي من العاملين، وإنشاء خدمات دعم الجياع، والمشردين، والأكثر ضعفاً. ويعني أيضا نشر جيش للتطهير .
ثانياً، يتعين علينا أن نعمل على تسهيل بقاء الناس في بيوتهم، من خلال تأجيل سداد الديون القصيرة الأجل وتعليق فواتير الخدمات.
الواقع أن حزمة الاستجابة لفيروس كورونا التي تبنتها الولايات المتحدة مؤخراً ليست كافية. فحتى لحظتنا هذه، لا يزال التشريع يترك 80% من العاملين في القطاع الخاص بدون تغطية طبية وإجازة مدفوعة الأجر. ولا يقدم توفير الاختبار المجاني أي عزاء للمرضى الذين هم في حالة حرجة بالفعل، أو أولئك الذين سيفقدون تأمينهم الصحي نتيجة للبطالة. وينبغي للولايات المتحدة أن تغتنم هذه الفرصة لجعل الإجازة المدفوعة الأجر وتوفير الرعاية الطبية للجميع سياسة دائمة.
تتمثل أولوية عالية أخرى في توفير الدعم النقدي الطارئ للأسر. وبعد اتخاذ كل الخطوات الضرورية في الوقت الحاضر، ينبغي للحكومات أن تعود إلى الحشد والتعبئة مرة أخرى. فالحكومات الكبيرة، والاستثمارات العامة الضخمة، وبرامج تشغيل العمالة العامة الضخمة، هي السبيل إلى ضمان الارتداد السريع إلى الانتعاش.
إن الوضع الحالي لا يتطلب «الدفع» أو «التحفيز»، بل التحرك المباشر بما يتفق مع نموذج الصفقة الجديدة، شبكة الطرق السريعة بين الولايات الأمريكية، وبرنامج أبولو. ويجب على الحكومات أن تستخدم هذه الأزمة كفرصة لإطلاق برنامج استثماري جريء، لتشييد بنية أساسية خضراء نظيفة، على النحو الذي توخته الصفقة الخضراء الجديدة. ففي كل الأحوال، لا مفر من استقبال وباء فيروسي آخر، وأزمة المناخ تتطلب قدراً من العزيمة والطموح لا يقل عن ذلك الذي أظهره فرانكلين روزفلت.
كل المطوب إذن هو أن يخصص الكونجرس الميزانية اللازمة وأن يعكف على تصميم سياسة فعّالة، لإدارة هذه الأزمة والأزمات التي ستأتي من بعدها. لا أحد يدعو إلى تحميل دافعي الضرائب الأثرياء أو المقرضين الأجانب «فاتورة» الاستجابة. فهذه ليست الطريقة التي تعمل بها حكومة تسيطر على عملتها على تمويل ذاتها. لنتوقف إذن عن طرح السؤال التافه حول كيفية تغطية التكاليف. لم يكن إيجاد المال هو المشكلة قَـط. ولابد أن ينصب تركيزنا على خلق وظائف جيدة للعاطلين عن العمل.
* أستاذة الاقتصاد المساعد في بارد كوليدج، وهي باحثة متخصصة في معهد ليفي للاقتصاد
opinion@albayan.ae
