العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    كيف ننظم الإنترنت؟

    صورة

    يبدو أن الموضوع الوحيد الذي يوحد بين اليمين واليسار في الولايات المتحدة في أيامنا هذه هو «ردة الفعل العنيفة ضد شركات التكنولوجيا العملاقة»؛ إذ يتفق الجميع على أن الوقت حان للتنظيم الفيدرالي للمنصات الرقمية. ولم يعد السؤال الآن ما إذا كان من الواجب القيام بذلك، بل كيف؟.

    مؤخراً، شهدنا كيف قاومت نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب والمسؤولة الفيدرالية الديمقراطية الأعلى مرتبة، جمهورها الانتخابي من شركات التكنولوجيا الضخمة في سان فرانسيسكو، وكيف أعلنت أن «عصر التنظيم الذاتي قد انتهى».

    وفي هذا الأسبوع، يعقد الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض اجتماع قمة حول وسائط التواصل الاجتماعي، كما تقدم السناتور الجمهوري جوش هاولي من ولاية ميسوري بتشريع يهدد حماية المنصات ويحرمها من الحصانة إذا أظهرت وسطية «منحازة سياسياً».

    يسعى الساسة إلى توجيه العداء الشعبي واسع النطاق تجاه المنصات الرقمية وفقاً لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث، ينظر الأمريكيون إلى المعلومات المضللة باعتبارها تهديداً أكبر من جرائم العنف.

    مع ذلك، وفي تناقض تام مع نظرائهم الأوروبيين، كان صناع السياسات في الولايات المتحدة حتى الآن حريصين على تجنب التنظيم ــ بدافع من تخوفاتهم إزاء شدة تعقيد التكنولوجيا، أو لأن التدابير الفعّالة تستتبع فرض رقابة حكومية.

    صحيح أن لجنة التجارة الفيدرالية بدأت مع وزارة العدل إجراء تحقيقات لمكافحة الاحتكار في ممارسات شركات فيسبوك، وأمازون، وجوجل، وأبل، في حين بدأت اللجنة الفرعية لمكافحة الاحتكار التابعة لمجلس النواب أيضاً إجراء تحقيقات. لكن أي دعوى قضائية لمكافحة الاحتكار ستتحرك ببطء وسوف يكون الفوز بها صعباً في ظل القانون الحالي.

    تلعب المنصات الرقمية دور حراس بوابات وسائط الإعلام التي تشكل استهلاك الأخبار، والتعبير السياسي، وولاءات المجتمع المدني. ولكن كما وثق المستشار الخاص روبرت ميولر، فإن هذه المنصات تسمح للبرامج الروبوتية والحسابات المزيفة ومزارع النقر بالتأثير في المستخدمين، وهي تستعين بمصادر خارجية لتنفيذ وظائف التحرير للخوارزميات المحسنة التي تعمل على تضخيم الغضب ونظريات المؤامرة من أجل زيادة مشاهدة المستخدمين للإعلانات على الإنترنت.

    ويعمل المحتوى المزيف، مثل مقطع الفيديو المزيف لبيلوسي، على زيادة فساد سلسلة إمداد الأخبار. ولا تفرض المنصات شروط الخدمة في الأغلب إلا بعد أن تنتشر المعلومات المضللة كالفيروس.

    من المؤكد أن الممارسات التكنولوجية والتجارية التي تزاولها المنصات الرقمية معقدة على نحو متزايد، وتكشف جلسات الاستماع في الكونجرس عن أمية تقنية واسعة النطاق بين صناع السياسات.

    ولكن هذا التعقيد لم يمنع الولايات المتحدة من إنشاء هيئات خبرة مثل إدارة الغذاء والدواء واللجنة التنظيمية النووية لحماية سلامة المواطنين. وفي عالَم المعلومات والخطاب، تتمتع لجنة الاتصالات الفيدرالية بتاريخ من حماية حرية التعبير من حراس البوابات.

    والآن بعد أن أصبحت الطبقة السياسية في أمريكا على استعداد للعمل، ينبغي لها أن تبدأ بإنشاء هيئة تنظيمية حكومية خبيرة لحماية سلامة سلسلة إمداد المعلومات. ونحن نتصور هيئة جديدة للديمقراطية الرقمية تقوم بما لا تجد العمالقة الرقمية أي حافز للقيام به من تلقاء ذاتها: تعزيز الشفافية، وتحسين تحكم المستخدم، والمساعدة على الحفاظ على الصحافة المحلية.

    سوف تعمل هيئة الديمقراطية الرقمية على الحد من الثغرات التي تعيب النظام الرقمي من دون التدخل في القرارات الخاصة بالمحتوى ــ بنفس الطريقة التي أصبحت بها الجهات التي تقدم خدمات الإذاعة، والتلفزيون، والكابل، والاتصالات أكثر مسؤولية أمام الجمهور مع تطورها. وقد لعب التنظيم الذاتي دوراً مهماً.

    ولكن التنظيم الحكومي ــ مثل قواعد الاتصال العمومية التي تحكم عمل شركات الاتصالات، والإفصاح عن الإعلانات السياسية، والقيود المفروضة على الملكية المشتركة للصحف ومنافذ البث في السوق ذاتها، ودعم البث غير التجاري ــ يشكل ضرورة أساسية لمنع إساءة الاستخدام. وفي مجال البث على الأقل، عمل التنظيم الإعلامي على خلق ثقافة ولغة المصلحة العامة.

    وأما عن حراس بوابات وسائط الإعلام الرقمية، فإن هيئة الديمقراطية الرقمية ستعمل على فرض الشفافية حول من يدفع في مقابل الإعلانات السياسية على الإنترنت، ومتى يكون الروبوت روبوتاً، وهويات مجموعات الاستضافة والمواقع التي تتخذ هيئة منافذ إخبارية. وسوف تساعد المستخدمين على فهم كيف ولماذا كانوا هم وإخوانهم المواطنون مستهدفين، والحد من المراقبة التعسفية المسيئة.

    لتجنب المآزق التي تواجهها الهيئات التنظيمية الأمريكية في العصر الصناعي سوف يتم تنظيم هيئة الديمقراطية الرقمية بما يتفق مع متطلبات القرن الحادي والعشرين. سوف تكون هيئة تنظيمية ذكية تستخدم تصميمات برمجية رشيقة، وتقدم رواتب كافية لتطوير القدرات الفنية الداخلية الضرورية.

    وسوف تكون قادرة على فرض محظورات قوية تمنع ممارسة الضغوط بعد التوظيف من أجل منع ظهور بوابات دوارة بين الحكومة والمنصات الرقمية.

    ومن الممكن أن تعمل الهيئة الجديدة عن كثب مع سلطات المنافسة والخصوصية في الولايات المتحدة في لجنة التجارة الفيدرالية ووزارة العدل، أو يمكن تجميع كل هذا معاً. وبالبناء على مثال مكتب حماية المستهلك المالي، ستكون هيئة الديمقراطية الرقمية شفافة ومتعاونة، فتفتح بياناتها وعملياتها لعامة الناس. ومن خلال تحديد المعايير وقياس فعاليتها على نحو مستمر، تصبح الهيئة قادرة على التكيف مع استمرار تطور التكنولوجيا.

    لن تقرر هيئة الديمقراطية الرقمية ما إذا كان المحتوى على الإنترنت صادقاً أو كاذباً، أو غير مقبول، ولكنها ستركز بدلاً من ذلك على نقاط الضعف الجهازية في المعلومات المضللة. وسوف تفرض المساءلة الديمقراطية من خلال مطالبة المنصات الضخمة بالاستعانة بقواعد واضحة لإلغاء المحتوى، والإفصاح بشأن الإعلانات على الإنترنت، وعملية الطعن لصالح المستخدمين، وتمكين الباحثين في مجال المصلحة العامة من الوصول إلى المعلومات.

    برغم أن المنصات الرقمية تثير مجموعة من القضايا المعقدة، فمن الواجب على الحكومة أن تعمل على حماية مواطنيها ــ كما تفعل بالفعل في مجالات أخرى معقدة بنفس القدر. وبينما تستعد الولايات المتحدة للانتخابات الرئاسية في عام 2020، يمثل الذكاء الاصطناعي تحديات متزايدة القوة للنظام البيئي للمعلومات. وبعد أن أصبحت صحة الديمقراطية الأمريكية على المحك، أصبح التنظيم ضرورياً في الدفاع عن الحرية.

    * سفيرة الولايات المتحدة السابقة إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

    ** أستاذة في كلية روتجرز للحقوق وكبيرة زملاء صندوق مارشال الألماني.

     

    طباعة Email