العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    نهاية النيوليبرالية وإعادة إحياء الديمقراطية

    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    عند نهاية الحرب الباردة، كتب العالم السياسي فرانسيس فوكوياما مقالاً شهيراً بعنوان «نهاية التاريخ؟» زعم فوكوياما أن انهيار الشيوعية من شأنه أن يزيل العقبة الأخيرة التي تفصل العالم بأسره عن مصير الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق. وقد وافقه كثيرون.

    اليوم، ونحن نواجه تراجعاً عن النظام العالمي الليبرالي القائم على القواعد، تبدو فِكرة فوكوياما غريبة وساذجة. لكنها عززت العقيدة الاقتصادية النيوليبرالية التي سادت على مدار السنوات الأربعين الأخيرة.

    في هذه الأيام أصبحت مصداقية النيوليبرالية في الأسواق المتحررة من القيود، باعتبارها أكثر الطرق جدارة بالثقة إلى الرخاء المشترك، في حالة موت إكلينيكي. وهذا ما يجب أن يكون. إن تزامن اضمحلال الثقة في النيوليبرالية والديمقراطية ليس من قبيل المصادفة أو مجرد ارتباط أو علاقة متبادلة. فقد ظلت النيوليبرالية تقوض الديمقراطية لمدة أربعين عاماً.

    الواقع أن نمط العولمة الذي وصفته النيوليبرالية جعل الأفراد ومجتمعات بأسرها غير قادرة على السيطرة على جزء مهم من مصيرهم، كما شرح بوضوح شديد الخبير الاقتصادي داني رودريك من جامعة هارفارد، وكما ذكرت في كتابيّ الأخيرين بعنوان «عودة إلى العولمة ومنغصاتها»، و«الناس، والسلطة، والأرباح».

    وحتى في الدول الغنية، قِيل للمواطنين العاديين: «لا يمكنكم أن تلاحقوا ما شئتم من سياسات» ــ سواء كانت الحماية الاجتماعية الكافية، أو الأجور اللائقة، أو الضرائب التصاعدية، أو النظام المالي الجيد التنظيم ــ «لأن بلدكم سيفقد قدرته التنافسية، وسوف تختفي الوظائف، وسوف تعانون».

    في البلدان الغنية والفقيرة على حد سواء، وعدت النخب بأن السياسات النيوليبرالية ستؤدي إلى نمو اقتصادي أسرع، وأن الفوائد ستتقاطر إلى الأسفل حتى يصبح الجميع، بمن فيهم الأكثر فقراً، في حال أفضل. ولكن لكي يتحقق هذا، يتعين على العمال أن يقبلوا بأجور أقل، ويتعين على جميع المواطنين أن يقبلوا التخفيضات في البرامج الحكومية المهمة.

    زعمت النخب أن وعودها كانت تستند إلى نماذج اقتصادية علمية و«أبحاث قائمة على الأدلة». حسناً، بعد مرور أربعين عاماً، دعونا نلقي نظرة على الأرقام: لقد تباطأ النمو، وذهبت ثمار هذا النمو في الأغلب الأعم إلى قِلة قليلة للغاية عند القمة. ومع ركود الأجور، وارتفاع سوق الأوراق المالية إلى عنان السماء، تدفقت الدخول والثروات إلى الأعلى، بدلاً من التقاطر إلى الأسفل.

    كيف من الممكن أن يُفضي تقييد الأجور ــ للوصول إلى القدرة التنافسية أو الحفاظ عليها ــ وخفض البرامج الحكومية إلى مستويات معيشة أعلى؟ لقد شعر المواطنون العاديون بأنهم وقعوا ضحية لعملية نصب. وكانوا على حق في الشعور بأنهم خُدِعوا.

    نحن نشهد الآن العواقب السياسية المترتبة على هذا الخداع الأكبر: انعدام الثقة في النخب، وفي «علوم» الاقتصاد التي استندت إليها النيوليبرالية، والنظام السياسي الذي أفسده المال والذي جعل كل ذلك ممكناً.

    الحقيقة أنه على الرغم من اسمه فإن عصر النيوليبرالية كان بعيداً كل البعد عن كونه ليبرالياً. فقد فرض نمطاً فكرياً كان الأوصياء عليه غير متسامحين على الإطلاق مع المعارضة. وقد عومِل الاقتصاديون الذين يحملون وجهات نظر ابتداعية غير تقليدية على أنه يجب تجنبهم، أو في أحسن الأحوال حصرهم في مؤسسات معزولة. إن النيوليبرالية لا تشبه «المجتمع المفتوح» الذي نادى به كارل بوبر إلا قليلاً. فكما أَكَّد جورج سوروس، أدرك بوبر أن مجتمعنا نظام معقد ودائم التطور، حيث كلما تعلمنا أكثر غيرت معرفتنا سلوك النظام.

    يتجلى هذا التعصب في أعظم صوره في الاقتصاد الكلي، حيث استبعدت النماذج السائدة إمكانية حدوث أزمات كتلك التي شهدها العالم في عام 2008. وعندما حدث المستحيل، جرى التعامل معه كما لو أن فيضاناً يحدث كل 500 عام ــ حدث استثنائي شاذ ما كان بوسع أي نموذج أن يتوقعه. وحتى اليوم، يرفض دعاة هذه النظريات قبول حقيقة مفادها أن إيمانهم بالأسواق ذاتية التنظيم وتجاهلهم للعوامل الخارجية باعتبارها غير موجودة أو غير ذات أهمية أدى إلى إلغاء الضوابط التنظيمية، والذي كان محورياً في تغذية الأزمة. وتظل النظرية باقية، في ظل محاولات عقيمة لجعلها تتناسب مع الحقائق، التي تشهد على حقيقة مفادها أن الأفكار السيئة، بمجرد نشوئها، تواجه غالباً موتاً بطيئاً.

    إذا فشلت أزمة 2008 المالية في جعلنا ندرك أن الأسواق المتحررة من القيود لا تعمل، فينبغي لأزمة المناخ أن تنجح في ذلك بكل تأكيد: ذلك أن النيوليبرالية سوف تقضي على حضارتنا.

    السبيل الوحيد إلى الأمام، والطريقة الوحيدة لإنقاذ كوكبنا وحضارتنا، هي بأن نعيد إحياء التنوير، وأن نعيد التأكيد على التزامنا باحترام قيم الحرية، واحترام المعرفة، والديمقراطية.

    * حائز جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وهو أستاذ في جامعة كولومبيا وكبير خبراء الاقتصاد في معهد روزفلت. وأحدث مؤلفاته كتاب «الناس، والسلطة، والأرباح: رأسمالية تقدمية في عصر السخط».

    طباعة Email