في السنوات الأخيرة، قامت كل من أنجيلينا جولي، ومادونا، وميلانيا ترمب، وكاني ويست بزيارات حظيت بتغطية إعلامية ضخمة لدور أيتام في بلدان منخفضة الدخل.
والآن، يحذو السياح الذين «يسافرون لغرض» حذوهن. يشمل خط سير هذه الرحلات السياحية غالباً زيارة إلى إحدى دور الأيتام، إلى جانب الأسواق المحلية، وورش العمل الحرفية، والمواقع التاريخية.

يروج منظمو الرحلات السياحية لهذه الزيارات كشكل من أشكال السياحة الأخلاقية التي تتيح للأثرياء من أهل الغرب الفرصة لمساعدة الأطفال المحتاجين.
وتشمل مثل هذه الزيارات غالباً اللعب مع الأطفال، واحتضانهم، والتبرع لدور الأيتام. وفي كثير من الأحيان، يبقى السياح على اتصال، ويقدمون تبرعات منتظمة لدور الأيتام بعد عودتهم إلى ديارهم.
لكن النوايا الحسنة ليست كافية، وخاصة عندما تستند إلى معلومات خاطئة ومضللة. إن سياحة دور الأيتام تحوّل الأطفال إلى سلع مدرة للمال خاضعة للقوانين الاقتصادية المعتادة للعرض والطلب.
ورغم أن هذا قد يكون مفيداً لمشغلي دور الأيتام، فإنه ضار بالأطفال الذين يعيشون هناك.
يعتقد كثيرون أن هناك الملايين من الأيتام في البلدان الفقيرة يحتاجون إلى الغذاء، والمأوى، والرعاية، والحب، والدعم من قِبَل دور الأيتام.
وفي غياب الدعم من جانب المانحين من الدول الغنية، يعيش كثيرون من هؤلاء الأيتام، كما يفترض على نطاق واسع، حياة بائسة، ولا يمكنهم البقاء على قيد الحياة إلا بالتسول أو بيع أجسادهم.
هذه خرافة، فوفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف»، هناك نحو 140 مليون يتيم في مختلف أنحاء العالم، لكن هذا الرقم مضلل، لأن منظمة اليونيسيف تُـعَـرِّف اليتيم بأنه طفل فَـقَـد «أحد الوالدين أو كليهما».
ونحو 15 مليون طفل من الأطفال الذين تعتبرهم اليونيسيف يتامى فقدوا الأب والأم. ويعيش أغلب «اليتامى الذين فقدوا أحد الوالدين» مع الأب أو الأم.
في حين تعيش الغالبية العظمى من الأيتام الذين فقدوا كلا الوالدين مع أجدادهم أو غيرهم من أفراد الأسرة.
وتتراوح تقديرات عدد الأطفال الذين يعيشون في مؤسسات الرعاية (دور الأيتام) من 2.7 مليون طفل إلى 8 ملايين طفل، ونصف هؤلاء على الأقل، بل ربما 90% منهم، لا يزال أحد والديهم على قيد الحياة، وبعضهم لا يزال كلا والديهم على قيد الحياة.
تؤكد الأبحاث ما تعلمته العديد من المؤسسات الخيرية قبل فترة طويلة، فإذا أظهرت للمتبرعين المحتملين صورة طفل تحمل اسمه ووصفاً لاحتياجاته.
فإن هذا يستحثّ قدراً أكبر من التبرعات من تقديم معلومات عامة حول المحتاجين، دون تحديد أي منهم.
ليس من المستغرب إذن أن يكون جلب الناس على مقربة من طفل محتاج، بل وحتى احتضانه، وسيلة فعّالة بشكل خاص لجمع الأموال.
وهذا يفسر وجود 90% من دور الأيتام وبيوت الأطفال المسجلة في نيبال في المناطق التي تجتذب معظم السياح.
ولكن لزيادة الإيرادات، تحتاج دور الأيتام إلى «أيتام». وعلى هذا فإن العديد من دور الأيتام تستخدم «مجندين» يسافرون إلى القرى النائية ويشجعون الآباء الفقراء على إرسال أطفالهم إلى دار أيتام.
وربما يَـعِـد هؤلاء الموظفون الآباء بأن أطفالهم سيتمتعون بحياة رائعة وتعليم عالي الجودة. وفي بعض الحالات، يُـدفَع للآباء بعض المال، ويحصل الموظفون الناجحون على «رسوم المكتشفين».
بمجرد دخول دار الأيتام، يتعين على الأطفال أن يتفاعلوا مع الزوار، سواء كان ذلك برغبتهم أو ضد رغبتهم.
وربما تتعمد دور الأيتام الإبقاء عليهم في حالة مزرية من سوء التغذية لانتزاع تبرعات أكبر من الزائرين، حتى أن بعض دور الأيتام تأمر الأطفال بأن يخبروا الزائرين بأنهم فقدوا الأب والأم ويهددونهم بالعقاب إذا لم يفعلوا.
من الواضح أنه سيظل هناك دوماً بعض الأطفال في البلدان المنخفضة الدخل لا يمكنهم العيش مع والديهم، وهناك بكل تأكيد دور أيتام تضع مصالح الأطفال في المقام الأول من الأهمية.
لكن النموذج المؤسسي للرعاية ضار بطبيعته لكل الأطفال، حتى وإن كانت نوايا أولئك الذين يديرون المؤسسات طيبة.
الواقع أن أكثر من 70 عاماً من الأبحاث تُـظهِر نتائج أسوأ كثيراً للأطفال الذين يكبرون في دور الأيتام مقارنة بالأطفال الذين يكبرون في أسر.
ومن الواضح أن التأثير الذي تخلفه الحياة في مثل هذه المؤسسات على الطفل يدوم مدى الحياة، وينتقل إلى الجيل التالي غالباً.
قد تتساءل، كيف يمكن للسائح أن يميز بين دور الأيتام «الصالحة» وتلك التي تستغل الأطفال؟ الإجابة هي أن لا أحد يستطيع تمييز هذا الفارق، فلا يوجد ما قد يمكن اعتباره دار أيتام جيدة.
وعلى الرغم من وجود أطفال يعيشون في ظل ظروف يائسة وقد يستفيدون، في الأمد القريب، من دخول دار للأيتام إلى أن يتم وضع ترتيبات بديلة.
فمن الأهمية بمكان أن ننظر إلى الصورة الكبرى، فالأطفال يعيشون حياة أفضل داخل الأسر وليس المؤسسات.
وفي العديد من البلدان المنخفضة الدخل، يؤدي عدم كفاية الضوابط التنظيمية لدور الأيتام إلى نشوء بيئة غنية بالفرص للإتجار بالأطفال واستغلالهم.
الواقع أن النظام الذي وصفناه معيب بوضوح، لكن أي اقتراح يقضي بمنع منظمي الرحلات السياحية من الترويج لزيارات إلى دور الأيتام يقودنا على الفور إلى السؤال التالي:
«ماذا سيحدث للأطفال؟»، الإجابة هي أن معظم الأطفال، في غياب دور الأيتام التي يدعمها السياح، لن يدخلوا دور الأيتام في المقام الأول، أي أنهم سيبقون في مجتمعاتهم ويحظون بحياة أفضل من تلك التي قد توفرها لهم دور الأيتام.
ومن خلال إزالة الطلب الذي يروّج له مشغلو الرحلات السياحية بين الزائرين من ذوي النوايا الحسنة، سوف يتضاءل المدد من «اليتامى» إلى حد كبير.
أما عن الأطفال الذين يعيشون في دور الأيتام حالياً، فإنهم يعانون غالباً من تأثيرات الصدمة النفسية، والحياة في المؤسسات، واضطرابات الارتباط، ويحتاجون إلى رعاية متخصصة في محيط عائلي.
ويجب إعادة توجيه الأموال التي يقدمها المانحون حالياً لدعم الأطفال في دور الأيتام. وبين المنظمات الجديرة بالاحترام في هذا السياق:
لا تنسني، وصندوق الأطفال الكمبودي، ومؤسسة الأمل والبيوت للأطفال. تعمل هذه المنظمات على إعادة دمج الأطفال في الأسر والمجتمعات، هذا فضلاً عن منظمات أخرى تعمل على منع انفصال أفراد الأسرة في المقام الأول من خلال مساعدة الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع.
* أستاذ أخلاقيات الطب الحيوي في جامعة برنستون، ومن بين مؤلفاته كتاب «تحرير الحيوان»، وكتاب «أخلاق عملية»، وكتاب «أعظم ما يمكنك تقديمه من خير»، وكتاب «الحياة التي يمكنك إنقاذها» (المتاح الآن للتنزيل مجاناً).
* كبيرة المستشارين في ALTO Global Consulting، وهي من المشاركين المؤسسين لشبكة ReThink Orphanages Network، ومؤلفة ومحررة كتاب «العبودية الحديثة وسياحة دور الأيتام».

