لقد أثار ستيفن مونشين وزير الخزانة في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غضب المعلقين الليبراليين في اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي لهذا العام في دافوس عندما أطلق تعليقاً ساخراً في حق ناشطة المناخ، الفتاة غريتا ثونبرغ.

لقد رد ستيفن على دعوة ثونبرغ للتخلص الفوري من استثمارات الوقود الأحفوري بالقول إنه يتوجب عليها أن تذهب للجامعة «من أجل دراسة الاقتصاد قبل أن تستطيع العودة إلينا وتوضيح ذلك لنا» وقبل يومين من تعليق ستيفن كان ترامب قد أشار إلى علماء المناخ على انهم «ورثة عرافي الماضي الأغبياء».

إن نهج إدارة ترامب تجاه التغيّر المناخي وأولئك الذين ينشطون في الدعوة لاتخاذ إجراءات صارمة لاحتوائه هو نهج بشع وخاطئ ولكن خلف الكلام الحاد لترامب ومونشين وآخرين هناك منطق قاس وصراحة وحشية.

أن سياساتهم هي الدفاع الحقيقي الوحيد عن الرأسمالية المعاصرة، حيث نستطيع أن نفهم من نصيحة مونشين لثونبرغ والتي تنم عن الترفع والازدراء انهم يدركون أن الاقتصاد السائد بخلاف علم المناخ هو صديقهم.

أنا أيضاً لم أستطع أن أمنع نفسي من التعليق بعد استماعي إلى ملاحظة مونشين في دافوس، حيث ذكرت في تغريدة «للأسف فإن ما يقوله مونشين منطقي فلو درست غريتا الاقتصاد السائد، لقضت عدة فصول دراسية في دراسة نماذج أسواق لا يمكن أن يحصل فيها كارثة مناخية أو أزمة اقتصادية. لقد حان الوقت لتغيير كل من السياسة الاقتصادية والاقتصاد».

لم تعجب تغريدتي العديد من زملائي الاقتصاديين، حيث غرد أحدهم قائلاً: «أنا غير متأكد ما هي البرامج الجامعية التي تتحدث عنها ولكن المساقات الدراسية الاقتصادية 101 التي أعرفها تتضمن فشلاً في الأسواق بحيث يكون التغير المناخي هو المشكلة الرئيسية».

صحيح لكن أنا أخشى أن هذه النقطة لا تتعلق بجوهر كلامنا فبينما هناك العديد من الأمثلة والمفاهيم في الدورات الاقتصادية التي ستعزز بما لا يدعو للشك من تصميم ثورنبرغ وتعطيها حججاً قوية ضد أمثال مونشين وترامب، فإنها ستشعر بالإحباط كذلك وبالضعف في نهاية المطاف بسبب الاقتصاد وتأثيره على زملائها من الطلاب.

إن أحد تلك الأسباب هو تأطير تلك الدراسة والإعدادات التلقائية المتعلقة بها.. إن التأطير هو أمر حيوي في كل حالة يتم فيها تنشيط العقل البشري والقلب ضد المشكلات.

إن الاقتصاد لا يعتبر استثناءً فكتب الاقتصاد الدراسية التي يتوجب على ثونبرغ دراستها تبدأ بنماذج أسواق يتم فيها عرض دافع الربح الخاص غير المقيد بطريقة حسابية وذلك من أجل خدمة المصلحة العامة وفقط بعد أن تتعلم هذه النظريات وتمارس الجمباز العقلي الضروري من أجل استخلاص الإثباتات الحسابية، ستكون معرضة «للاستثناءات.

إن تأطير فشل الأسواق على انه استثناء ربما تسبب به عوامل خارجية هو نصر دعائي كبير لمن هم على شاكلة ترامب ومونشين في هذا العالم. إن أساتذة الاقتصاد في الجامعات لا يستطيعون وبكل بساطة إيقاف التأطير وذلك من خلال تدريس العوامل الخارجية وفشل الأسواق كقاعدة عامة وتقديم الأسواق التنافسية على أنها الاستثناء.

والنظريات الأيقونية للاقتصاد لا يمكن إثباتها مع وجود العوامل الخارجية. تلك الإثباتات هي التي تبهر الطلاب وبقية المجتمع وخاصة أولئك الموجودين في السلطة وتعطي أساتذة الاقتصاد هيمنتهم الخطابية ضمن العلوم الاجتماعية ناهيك عن حصة الأسد في التمويل العام والخاص.

حسب وجهة النظر تلك فإن مونشين قد قام بشكل تلقائي أو عن قصد بعمل ما هو أكثر من تعليق ساخر فلو طبقت ثونبرغ نصحيته فإن موقفها سيضعف فشهادة في الاقتصاد عوضاً عن العلوم أو السياسية أو التاريخ ستحطم معنوياتها أو ستمنعها من الاستمرار في مساعيها التي كان يمكن أن تجعلها أكثر خطورة مما هي عليه الآن بالنسبة للمصالح الاقتصادية التي يمثلها ترامب.

إن البعض يتحسرون على عدائية إدارة ترامب تجاه الشباب والعلماء والذين يتكلمون بالمنطق عن تهديد كبير والذي يجب أن نواجهه من خلال التعاون الدولي ولكن ترامب واتباعه يبدو أنهم يفهمون شيئاً لا يبدو أن منتقديهم من الليبراليين يفهمونه فالمرء لا يستطيع إقرار مخاطر التغير المناخي والالتزام بعمل كل ما يلزم للتعامل مع هذا الموضوع والاستمرار في الوقت نفسه على اعتبار الرأسمالية على أنها نظام طبيعي يمكن إجراء تعديلات بسيطة عليها من أجل تقديم رفاهية خضراء مشتركة.

إن التغير المناخي هو واترلو الرأسمالية فلا يوجد ببساطة طريق مجدٍ من أجل إعادة الاستقرار للمناخ وجعله متوافقاً مع المرتكزات الرئيسية للرأسمالية، فالنظام الذي نعيش فيه بخلاف النظام الذي تنطوي عليه كتب الاقتصاد في الجامعات هو نظام يتحول إلى آليه لإعادة التدوير الدينامكية المريضة: إن قلة من المحتكرين تستخلص قيمة لا يمكن تجديدها من البشر والطبيعة بسرعة غير مسبوقة وبتمويل من النظام المالي الذي تغذيه الديون والذي بدوره يغذي هؤلاء المحتكرين.

إن هذه «البنية التقنية» والتي كتب عنها كينيث غالبريث لأول مرة سنة 1967 «الدولة الصناعية الجديدة» لن تقبل بإرادتها أي قيود على النمو الفعلي والاستخراج وهي قيود ضرورية لاحتواء التغير المناخي لإن ذلك يعني أنها لا تستطيع البقاء.

إن حقيقة أن الطبقة السياسية بالغرب تعتمد على تلك البنية التقنية بتمويل حملاتها الانتخابية يعني أن أي برامج تفرضها الحكومة لتحديد سقف أو كوتا أو التعويض عن الانبعاثات ستكون تجميلية وبنهاية المطاف لا حول لها ولا قوة وبنفس الطريقة التي يدرس فيها طلاب الاقتصاد أوجه فشل الأسواق كاستثناء لنظام أسواق يعمل بشكل جيد فإن الإصلاحيين الوسطيين هم في مهمة تشبه حال سيزيف وهي مهمة تخيل رأسمالية خضراء تنجح في تحقيق الإصلاحات.