تؤكد الأحداث الجارية في عالمنا أنه قد حان الوقت لتعكف مؤسسات المجتمع المفتوح على تنفيذ خطة طموحة للانطلاق نحو بناء الشبكة التعليمية الجديدة والمبتكرة التي يحتاجها العالم أشد احتياج.

وسيطلق عليها اسم: شبكة جامعات المجتمع المفتوح (OSUN).

إن المجتمعات المفتوحة في عالمنا باتت اليوم مهددة، كما أنّنا نواجه أزمة أخرى أشد خطراً:

تغير المناخ، الذي يهدد بقاء حضارتنا. ولعل هذا التحدي بجانب تحدي التعليم، أبرز امتحانات واختبارات عالمنا وحضارتنا كي يظل الأمل في بقاء المجتمعات المفتوحة أيضاً قائماً.

ولا بد أن نتنبه إلى أن نقاط الضعف التي تعيب بعض المجتمعات العالمية راهناً، مصدرها وسببها الأنظمة غير البناءة في العالم التي تكرس الاستبداد وتفتح أبواب التقهقر كونها تفتقر إلى الضوابط والتوازنات النوعية الفاعلة.

وفي العموم، إنّني لأرى قوة بناءة مهمة تبرز وتفرخ بقوة في مختلف أنحاء العالم بالوقت الحالي: إذ يلتف رؤساء بلديات المدن الكبرى الآن حول قضايا مهمة.

ففي أوروبا، يأتي تغير المناخ والهجرة الداخلية على رأس أولويات أجنداتهم. وهو ما يتوافق مع اهتمامات شباب اليوم.

ومن شأن الاتحاد حول مثل هذه القضايا أن يخلق حركة قوية مؤيدة لأوروبا والمجتمعات المفتوحة. لكن يبقى السؤال: هل لهذه التطلعات أن تتحقق يوما؟

كما أنني على يقين تام بأن معقل أملنا الأكبر، كاستراتيجية طويلة الأمد، يكمن في تأمين التعليم الجيد والخلاق.

ولا سيما التعليم الذي يعزز استقلالية الفرد من خلال تنمية التفكير الناقد والتشديد على الحرية الفكرية. الواقع أنني كنت أؤمن بأهمية الفوائد التي يقدمها التعليم العالي للمجتمع المفتوح لعقود من الزمن.

وقد أقمت مثل هذه المؤسسة التعليمية قبل ثلاثين عاما، وهي تحمل اسم الجامعة الأوروبية المركزية (CEU)، وتتمثل رسالتها في نشر قيم المجتمع المفتوح.

لقد حان الوقت لتعكف مؤسسات المجتمع المفتوح على تنفيذ خطة طموحة للانطلاق من ذلك الأساس نحو بناء الشبكة التعليمية الجديدة والمبتكرة التي يحتاجها العالم بشدة.

وسيطلق عليها اسم: شبكة جامعات المجتمع المفتوح (OSUN). وستكون شبكة جامعات المجتمع المفتوح فريدة من نوعها. وستوفر منصة عالمية للتعليم والبحث.

في غضون 30 عاماً فقط، برزت الجامعة الأوروبية المركزية كواحدة من أفضل 100 جامعة للدراسات العليا على مستوى العالم في مجال العلوم الاجتماعية.

كما أصبحت من أشهر الجامعات الدولية التي تضم طلبة من 120 دولة، فضلا عن هيئة تدريس يأتي أعضاؤها من أكثر من 50 دولة.

وفي السنوات الأخيرة، اكتسبت الجامعة المركزية الأوروبية شهرة عالمية لدفاعها عن الحرية الأكاديمية ضد رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي كان عاقد العزم على تدميرها.

وتجمع الجامعة المركزية الأوروبية تحت سقفها طلبة وأعضاء هيئة تدريس يمثلون ثقافات وتقاليد شديدة التنوع، يستمع بعضهم لبعض ويتحاورون فيما بينهم.

وقد أثبتت الجامعة الأوروبية المركزية إمكانية الجمع بين المشاركة المدنية الفاعلة والتميز الأكاديمي.

غير أن الجامعة الأوروبية المركزية ليست في حد ذاتها بالقدر الكافي من القوة لتصبح المؤسسة التعليمية التي يحتاج إليها العالَم. إذ يتطلب ذلك نوعا جديدا من الشبكات التعليمية العالمية.

ولحسن الحظ، فإننا نملك اللبنات الأساسية لإنشاء مثل هذه الشبكة التعلميمة عالمياً:

فقد دخلت الجامعة الأوروبية المركزية بالفعل في شراكة طويلة الأمد مع كلية بارد في الولايات المتحدة. فالجامعة الأوروبية المركزية مؤسسة دراسات عليا، وكلية بارد كلية فنون ليبرالية مبدعة مبتكرة للمرحلة الجامعية الأولى بشكل أساسي.

وكلاهما تتلقيان الدعم من مؤسسات المجتمع المفتوح، التي تشجعهما على تقديم يد العون لجامعات وكليات أخرى في مختلف أنحاء العالم. وقد قامت كل من الجامعة الأوروبية المركزية وكلية بارد بالفعل بتكوين مجموعة من العلاقات الناجحة في الأجزاء الأقل تقدما من العالم.

من المؤكد أنه ستواصل شبكة جامعات المجتمع المفتوح السير على خطى الجامعة الأوروبية المركزية وكلية بارد في السعي للوصول إلى الأماكن التي تحتاج إلى تعليم عالي الجودة.

وفي خدمة التجمعات السكانية الـمُهمَلة، مثل اللاجئين، ونزلاء السجون، ومجتمعات الغجر، وغير ذلك من النازحين كالروهينغا.

وعملياً، تستعد شبكة جامعات المجتمع المفتوح لبدء برنامج ضخم لصالح "الباحثين المعرضين للخطر"، يربط عددا كبيرا من الباحثين المتميزين أكاديميا لكنهم مفكرون معرضون للخطر سياسيا بهذه الشبكة العالمية الجديدة وببعضهم بعضا.

لم تكن المجتمعات المفتوحة دائمة الحاجة لمن يدافع عنها؛ على عكس حالها اليوم. فقبل ما يقرب من أربعين سنة، حين انخرطت فيما أسميه العمل الخيري السياسي، كانت الرياح مواتية لأشرعتنا، وساعدتنا على المضي قدماً.

إذ كان التعاون هو العقيدة الغالبة، وعلى نحو ما، كانت هي الغالبة حتى في الاتحاد السوفييتي الذي كان يعاني الانهيار والإفلاس الإيديولوجي ــ هل تتذكرون ذلك الشعار الماركسي «يا عمال العالم اتحدوا!»؟.

وكان الاتحاد الأوروبي صاعداً، ورأيت فيه تجسيداً للمجتمع المفتوح.

لقد انقلبت الكفة ضد المجتمعات المفتوحة بعد الانهيار الذي شهده عام 2008، لأن الأزمة المالية العالمية شكلت فشلاً على صعيد التعاون الدولي، ما أدّى بدوره إلى بروز النزعة القومية؛ العدو الأشرس للمجتمع المفتوح.

كما أنه، وبالنظر إلى الحالة المناخية الطارئة والارتباك بمختلف أنحاء العالم، فليس من قبيل المبالغة أن نقول إن 2020 والسنوات القليلة المقبلة ستحدد مصير العالم بأسره أيضاً.

* مؤسس ورئيس مجلس إدارة مؤسسات المجتمع المفتوح، وأحدث مؤلفاته كتاب «في الدفاع عن المجتمع المفتوح» (الشؤون العامة، 2019).