العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    نحو منهجية قياس مستويات عدم المساواة

    صورة

    إننا نعيش في العصور الوسطى في مجال إحصاءات عدم المساواة. فبعد مرور أكثر من عقد من الزمن على «الركود العظيم»، لا تزال الحكومات في الدول الغربية، غير قادرة على تتبع تطور الدخل والثروة بدقة. وتنتج الوكالات الإحصائية إحصاءات عن نمو الدخل للسكان ككل (الحسابات القومية)، ولكن ليس عن نمو دخل «الطبقة الوسطى»، أو «الطبقة العاملة»، أو نسبة 1٪ و0.1٪ الأعلى دخلاً.

    وفي الوقت الذي تعرف فيه جوجل، وفيسبوك، وفيزا، وماستر كارد، وغيرها من الشركات المتعددة الجنسيات أدق التفاصيل الشخصية عن حياتنا الخاصة، لا تزال الحكومات عاجزة عن التقاط الإحصائيات الأساسية المتعلقة بتوزيع الدخل والثروة، فما بالك أن تنشرها.

    ويكلف هذا الإخفاق المجتمع كثيراً. إن فكرة أنه لا يمكن تبرير مستويات عدم المساواة المرتفعة في العديد من البلدان، إلى جانب عدم وجود أي خيار مستنير ممكن للناخبين، هو دعم للديماغوجيين ولنقاد الديمقراطية.

    وما زاد الطين بلة هو أنه أحياناً يصَوَّر الخبراء في مجال عدم المساواة، على أنهم يعتمدون اعتماداً مفرطاً على أساليب منهجية محددة، كما هو موضح في قصة غلاف مجلة ذي إيكونومست في عددها الأخير، «أوهام عدم المساواة».

    ولكن، بطبيعة الحال، فإن البيانات في العلوم الاجتماعية، هي بطبيعتها مفتوحة للتحدي، ما يجعل المناقشات المنهجية أمراً لا مفر منه. والسؤال هو أين نرسم الخط الفاصل بين الخلاف الأكاديمي الشرعي حول مستويات عدم المساواة واتجاهاته، والإنكار الصريح لعدم المساواة.

    وما إذا كانت حقيقة عدم المساواة مقبولة أم لا، وما إذا كان ينبغي القيام بشيء ما حيال ذلك، هو مسألة اختيار جماعي. وللمساعدة في إثراء النقاش، انضم أكثر من 100 باحث من جميع أنحاء العالم، إلى جهود تطوير طرق مبتكرة لتجميع إحصاءات عدم المساواة، عن طريق قاعدة البيانات العالمية للتفاوت في الدخل، والتي تغطي الآن أكثر من 100 دولة.

    وتتضمن القاعدة أوسع مجموعة ممكنة من مصادر البيانات المتاحة، بما في ذلك الدراسات الاستقصائية للأسر المعيشية، وبيانات إدارة الضرائب، والحسابات القومية، وتصنيف الأثرياء التي تنشر على وسائل الإعلام، و«وثائق بنما»، التي يعرض «الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين» عن طريقها، مخزونات الثروة المخبأة في ملاذات ضريبية مختلفة.

    وأعدت منهجية قاعدة البيانات العالمية للتفاوت في الدخل بطرقة تتيح إعادة إنتاج النتائج ومناقشتها، مع المساهمة في توسيع البيانات المتاحة، وتحسينها. وعند تطبيقها باستمرار على مناطق وبلدان مختلفة، تظهر أنماطاً متباينة، مع زيادة مستوى عدم المساواة في بعض البلدان، وركود أو انخفاض في (عدد قليل) من بلدان أخرى.

    وليست قاعدة البيانات العالمية للتفاوت في الدخل، سوى واحدة من مؤسسات متعددة بما فيها، مركز لوكسمبورغ لدراسة بيانات الدخل، ومعهد الالتزام بالعدالة، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي التي تعمل الآن بشكل مثمر لتحسين فهمنا لهذه القضايا.

    ولكن التقدم في قياس عدم المساواة يواجه عائق التطورات السياسية الأخيرة، والتي تُكذِّب الروايات حول قدر أكبر من الشفافية. وقلصت العديد من الاقتصادات المتقدمة من عدد عمليات التدقيق الضريبي التي تنجز كل عام، ما يجعل الوصول إلى هذا المصدر الرئيسي للمعلومات وتحليله، أمرا صعبا. وكذلك، مع إلغاء الضرائب التدريجية على دخل رأس المال، وإلغاء ضرائب الثروة والميراث، اختفت بعض المصادر الأساسية للبيانات حول عدم المساواة في الثروة.

    وبسبب الافتقار إلى بيانات مالية وإدارية عالية الجودة حول دخل رأس المال والثروة، سيتحول العديد من المراقبين إلى مصادر أخرى، مثل بيانات تصنيف الأثرياء الذي تنشرها عدد من المجلات. ولكن مع أن هذه المصادر يمكن أن توفر معلومات قيمة، إلا أنها لا تفي بمعايير الدقة المنهجية، والوضوح المفاهيمي، اللذين ينبغي أن تستند إليهما المناقشات العامة المستنيرة.

    لهذا، يحتاج الباحثون، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني إلى مزيد من المشاركة. ومن الأهمية بمكان أن نطور مجموعة من المؤشرات، والأساليب المعترف بها دولياً لتتبع الدخل والثروة. ويجب أن تنشر الوكالات الإحصائية الحكومية مستويات الدخل والثروة للفئات 1٪، و0.1٪، و0.001٪، الأعلى دخلاً، بالإضافة إلى الضرائب الفعلية التي تدفعها هذه المجموعات.

    ولتحقيق هذا الهدف، سيخضع نظام الأمم المتحدة للحسابات القومية في السنوات الثلاث المقبلة للمراجعة، وسيكون ذلك حدثاً مهماً. (نحن نعمل حالياً مع المكاتب الإحصائية الوطنية، ومنظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي، والأمم المتحدة في إطار هذه الجهود).

    وكانت إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي في الأصل، ثمرة التزام الباحثين العنيد بتقديم أدلة بشأن الدخول القومية، خلال فترة الكساد الكبير. وسيكون من المؤسف أن ننتظر الذكرى المئوية للناتج المحلي الإجمالي -أو لكساد آخر- حتى نعد إحصاءات النمو التوزيعية.

    ويجب أن تزيد جميع المجتمعات من مشاركتها في إنتاج معلومات اقتصادية شفافة، ونشرها. وندعو جميع أطراف المجتمع المدني المهتمة، ووسائل الإعلام، والحكومات، والمجتمع الأكاديمي إلى الانضمام إلى الجهود المبذولة لاعتماد بيانات عدم المساواة في القرن الحادي والعشرين.

    وجدير بالذكر هنا، أنه وبالإضافة إلى مؤلفي هذا البحث: فاسوندو ألفاريدو ولوكاس تشانسيل توماس بيكيتي وإيمانويل سايز وغابرييل زوكمان، يشمل الموقعون على هذا التعليق، آخرين بارزين، مثل: ميغيل أرتولا بلانكو، من جامعة كارلوس الثالث في مدريد، وليديا أسوعاد، منسقة الشرق الأوسط لدى قاعدة البيانات العالمية للتفاوت في الدخل، وأوسكار باريرا، زميل باحث لدى قاعدة البيانات العالمية للتفاوت في الدخل، وتوماس بلانشيت، منسق الأدوات والطرق الإحصائية لدى قاعدة البيانات العالمية للتفاوت في الدخل، وماريوس بروهارت، أستاذ الاقتصاد بجامعة لوزان، وغويلهم كاسان، أستاذ مشارك في شعبة الاقتصاد، بجامعة نامور، ودينيس كونيو، أستاذ الاقتصاد بكلية باريس للاقتصاد، وغييليرمو كروسيس، أستاذ الاقتصاد بجامعة نوتنغهام، وليو تشيكا، زميل باحث لدى قاعدة البيانات العالمية للتفاوت في الدخل.

     

     

     

    طباعة Email