عندما انتهت الحرب الباردة، توقع كثير من الخبراء والمراقبين قدوم عصر جديد، حيث يحدد الاقتصاد الجغرافي هيئة السياسة الجغرافية. ومع تقدم التكامل الاقتصادي، تنبأوا بأن النظام القائم على القواعد سيمد جذوره إلى مختلف بقاع العالم، وأن الدول ستلتزم بالقانون الدولي أو تتحمل تكاليف باهظة.
اليوم، يبدو هذا التفاؤل بحاجة إلى الدراسة المتمعنة والاحتياط لأي إفرازات مربكة. فعلى الرغم من اكتساب النظام الدولي القوة على نحو متزايد ظاهرياً ــ مدعوماً، على سبيل المثال، باتفاقيات ومعاهدات الأمم المتحدة، والاتفاقات العالمية مثل اتفاق باريس للمناخ لعام 2015، والمحكمة الجنائية الدولية ــ ظلت سيادة القوة غالبة على سيادة القانون، خاصة في الكثير من البلدان المتقدمة.
لا شك أن عالمنا يحتاج، وخاصة بالنسبة إلى الدول الكبيرة ذات النفوذ أو التأثير، إلى التركيز الدقيق على ضرورة احترام النظام القائم على القواعد اختياراً، وهو الاختيار الذي تبدو دول كثيرة، في ظل الطابع الخاص الذي يميز نظامها، عازفة عن اتخاذه.
ولهذا، هناك حاجة ماسة إلى آلية إنفاذ للقانون الدولي، إذ ستنشأ المنازعات بين الدول دائماً. ويتطلب ترسيخ السلام آليات لحل هذه المنازعات بصورة عادلة وفعّالة، وتعزيز احترام الحدود القائمة.
ومع ذلك، يبدو من غير المرجح أن تنشأ مثل هذه الآلية في أي وقت قريب، خاصة أن دائرة الدول التي باتت تنتهك القانون الدولي ولا تنال أي عقاب آخذة بالاتساع. أصبح القانون الدولي قوياً ضد المستضعفين، وعاجزاً في مواجهة الأقوياء.
وعلى الرغم من التحولات الهائلة التي طرأت على الاقتصاد، والأوضاع الجيوسياسية، والبيئة، يبدو أن هذه الحال لن تتغير، إذ تستخدم غالبية الدول الأقوى القانون الدولي لفرض إرادتها على نظيراتها الأكثر ضعفاً، في حين تتجاهله هي ذاتها.