وصلت الاحتجاجات في مدينتنا إلى ذروتها، بعد مرور حوالي ستة أشهر عن اندلاعها، إذ في أحد الأيام المروعة، في وقت سابق من هذا الشهر، أطلقت الشرطة أكثر من 1500 طلقة من الغاز المسيل للدموع، وأطلق ضابط شرطة النار على متظاهر من مسافة قريبة عندما تعرض للهجوم، وأحرق المتظاهرون رجلاً خالفهم الرأي، وألقي القبض على أكثر من 4000 شخص، ودُمرت البنية التحتية، وغرق الاقتصاد في الركود.. ولماذا كل هذا؟

لقد سحبت حكومة هونغ كونغ مشروع قانون تسليم المجرمين الذي أثار الاحتجاجات، لكنّ المحتجين يحتدمون، ولا يملكون أي استراتيجية أو مطالب متسقة، ويزعمون أنهم يناضلون من أجل الديمقراطية، ولكن من الصعب التوفيق بين هذا الهدف النبيل ومجانيق القرون الوسطى، التي تقذف الحجارة والقنابل النارية. وفي الحقيقة، لن تؤدي استراتيجية الأرض المحروقة للمتظاهرين إلا إلى المزيد من الفوضى، والدمار، والموت.

ولا يجب أن تكون المظاهرات بهذه الطريقة. وللمساعدة في إيجاد حل، أجرينا تحليلاً سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وثقافياً للوضع الحالي لهونغ كونغ، وآفاقها المستقبلية.

وعلى الصعيد السياسي، يكمن الدرس الرئيسي في أنه على الحكومة ضمان النظام والأمن. وفي إطار «دولة واحدة ونظامان»، تتمتع حكومة هونغ كونغ بصلاحيات لمعالجة القضايا المتعلقة بالأمن الداخلي، ولكن عندما تكون تدخلاتها غير كافية، فمن حق الحكومة المركزية في الصين، ومن مسؤوليتها كذلك أن تتدخل.

ولأن المحتجين في هونغ كونغ حولوا المظاهرات السلمية إلى أعمال شغب واسعة النطاق، أصبح ذلك التدخل أمراً لا مفر منه.

ومن الناحية الاقتصادية، تدفع هونغ كونغ ثمناً باهظاً جراء الاحتجاجات التي استمرت لمدة طويلة، إذ في الفترة ما بين يوليو، وسبتمبر، تقلص الناتج المحلي الإجمالي للمدينة بنسبة 3.2% مقارنة بالأشهر الثلاثة الماضية، وهي أسوأ حصيلة اقتصادية منذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008.

ومع ذلك، لم نفقد كل شيء، طالما ما زال سوق الأسهم في المدينة يقوم بمهامه، إذ تابعت «علي بابا» - أكبر شركة للتجارة الإلكترونية في الصين، والتي تحتفظ بسجل عالمي لأكبر عرض عام أولي - خطتها الخاصة بإدراج أسهم ثانوية في هونغ كونغ، حيث تسعى للوصول إلى 13 مليار دولار تقريباً.

وخلال معظم فترات العقدين الماضيين، تفوق العرض العام الأولي في هونغ كونغ على نظيره في الولايات المتحدة أو البر الرئيسي للصين. وتبلغ القيمة السوقية لجميع الشركات المدرجة في هونغ كونغ حوالي نصف رأس المال في البر الرئيسي للصين.

وتعد هونغ كونغ أيضاً منبراً أساسياً لإدارة الصين للأصول المالية الخارجية، ورابطاً مهماً لسلاسل التوريد العالمية، حيث توجه حوالي 60% من تدفقات الصين من الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر المدينة.

ومع ذلك، فإن هذه المزايا الاقتصادية كانت لها عواقب اجتماعية غير مقصودة، حيث أدت إلى ارتفاع عدم المساواة إلى أعلى مستوياته في المدينة خلال 45 عاماً.

وكما هو الحال في العديد من الاقتصادات الغربية، في حين أن أصحاب العقارات، والمطورين، والنخبة يكدسون الثروات، يواجه عمال الطبقة المتوسطة في هونغ كونغ ركوداً متصاعداً في الدخل، وارتفاعاً في أسعار العقار، والإحباط الناتج عن ذلك هو سبب اندلاع الثورة الحالية. وأدى إخفاق الحوكمة المستمر إلى الزيادة من حدة المشاعر العامة.

ولمواجهة الاضطرابات الاجتماعية، والجيوسياسية، والتكنولوجية الهائلة، كانت حكومة هونغ كونغ بحاجة إلى اعتماد سياسات استباقية، يمكنها أن تستجيب للتطورات الجديدة، وتتوقع تحديات مستقبلية، بدءاً من انعدام الإسكان الميسور التكلفة، ولكنها بقيت ملتزمة بمبدأ الحقبة الاستعمارية القديم المتمثل في «عدم التدخل الإيجابي»، ومن ثم تضخمت المشكلات، وتزايد الغضب الشعبي.

ووجد هذا الغضب متنفساً له على وسائل التواصل الاجتماعي.

وهزت التكنولوجيا أسس ترتيب «دولة واحدة ونظامان» عن طريق تيسير «اضطراب المعلومات»: انتشار كميات هائلة من المعلومات الكاذبة المنحازة، والمضللة، والصريحة، والتي غالباً ما تهدف إلى تأجيج المشاعر المعادية للصين في هونغ كونغ.

وأدى تكوين فقاعات المرشح، وغرف الصدى إلى تفاقم المشكلة، حيث أُرسل إلى الشباب وابلٌ من الرسائل مفادها أن البر الرئيسي للصين هو المسؤول عن كل ويلاتهم.

وعندما بدأت ترجمة هذه الأفكار إلى أفعال، استخدم المتظاهرون وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم الوعي بأنشطتهم، وتوثيقه، ونشره، وغالباً ما يفعل ذلك أشخاص مجهولون. وبالنسبة لكل من المتظاهرين وخصومهم، كانت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة مهمة لتشكيل السرد، وتمكينهم من تبادل الصور، على سبيل المثال، صور تظهر وحشية الشرطة، أو عنف المحتجين.

ولكن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح، وكذلك ساحة معركة، إذ في أغسطس وحده وقع أكثر من 1600 ضابط شرطة، وأفراد أسرهم، ضحية لنشر معلومات شخصية لهم عبر الإنترنت، من أجل التحريض على مضايقاتهم، أو أسوأ من ذلك. وفي بعض الحالات، نشرت عناوين مدارس الأطفال (تعرض بعض الصحفيين وشخصيات المعارضة للأذى).

وعلى الرغم من هذه الاستفزازات، تحلت شرطة هونغ كونغ بمستوى عالٍ من ضبط النفس..

ولو قام المتظاهرون في أي بلد بالعالم بأعمال شغب لمدة ستة أشهر، لأرسلت الحكومة الحرس الوطني لقمع الاضطرابات، ومع ذلك تصرفت الصين بصبر استراتيجي، مدركةً أن التدخل المباشر يمكن أن يساعد أولئك الذين يسعون إلى تصوير الصراع على أنه «صدام بين الحضارات»، خاصة في وقت تخوض فيه الصين منافسة تجارية واستراتيجية معقدة مع الولايات المتحدة.

ولكن كلما استمر العنف قَلَّ عدد الخيارات المتاحة أمام الجميع. وبالفعل، أظهرت أحدث عملية انتخابية لمجالس المقاطعات، مع نسبة إقبال بلغت 71.2%، أن الناس صوتوا بسلام من أجل التغيير. ولو تفادى المحتجون العنف، واختاروا الانتظار بصبر للتعبير عن تفضيلاتهم في صندوق الاقتراع، لأُرسلت الرسالة نفسها.

إن نتيجة الانتخابات هي فرصة للجميع للتفكير بعناية في الحاجة إلى إنهاء الاحتجاجات العنيفة، والعمل معاً لمعالجة المظالم الحقيقية. ويجب على جميع الأطراف أن تبدي تعاطفاً، وتواضعاً، واستعداداً لتقديم تنازلات أثناء تصميم إصلاحات الحكم، التي تتوافق مع القانون الأساسي لهونغ كونغ ودستور الصين، وكذلك تنفيذ هذه الإصلاحات.

إن خياراً غير ذلك لن يؤدي إلى استقلال وازدهار هونغ كونغ، بل إلى اقتصاد مدمَّر، ومجتمع منقسم، وجيل ضائع، وأن ندعي غير ذلك لن يؤدي إلا إلى صعوبة الهروب من تلك النتيجة.

زميل متميز في معهد آسيا العالمي بجامعة هونغ كونغ، وعضو في المجلس الاستشاري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة المعني بالتمويل المستدام.

رئيس معهد هونغ كونغ للتمويل الدولي.. أستاذ ومدير معهد الأبحاث لطريق الحرير البحري في معهد HSBC (إيتش، إيس، بي، سي) للأعمال بجامعة بكين.