تحتاج أوروبا إلى بنك إنمائي قوي ومرن، يمكنه التعاون مع المؤسسات الصينية المشاركة في مبادرة الحزام والطريق، ووكالات التنمية المعزَّزة حديثاً في الولايات المتحدة، بل وتحديها أيضاً.

وعين الاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة، واضعاً هذا الهدف صوب أعينه، «مجموعة من الأشخاص ذوي الحكمة»، لمراجعة هيكل تمويل التنمية في الاتحاد الأوروبي. وابتكرت المجموعة، التي كنت عضواً فيها، ثلاثة خيارات منمقة، ولكن قد يكون هناك خيار رابع، يجمع بين أفضل ميزات المؤسسات القائمة.

ويحتاج الاتحاد الأوروبي إلى بنك إنمائي، حتى يتمكن من تعزيز قدرته على الاستجابة للتحديات العالمية والإقليمية الكبيرة، وقبل كل شيء قدرته على التعامل مع المخاطر والفرص في أفريقيا.

ومن وجهة نظر جيوسياسية، فإن أوروبا بحاجة ماسة إلى تعزيز سيادتها الاقتصادية، دون التخلي عن طموحها لتشكيل تحالفات متعددة الأطراف. ويمثل تمويل التنمية لبنة أساسية في هذا الصدد، ومع أن أوروبا توفر حالياً ما يقرب من ثلثي إجمالي تمويل التنمية العالمية، فإن ثمّة تأثيراً أكبر، إذا نُسقت جهود الاتحاد الأوروبي تنسيقاً أفضل.

وتتمتع كل من مؤسستي تمويل التنمية الأوروبيتين القائمتين - البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية (EBRD)، وبنك الاستثمار الأوروبي (EIB) - بنقاط قوة معينة، إذ إن البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية هو بنك تنمية مناسب، له مجموعة واسعة من الأنشطة، وحوار سياسي وثيق مع الحكومات الوطنية، وحضور مكثف على الساحة.

وفي الوقت نفسه، يركز بنك الاستثمار الأوروبي، بشكل رئيس، على الاتحاد الأوروبي، فهو صانع سياسة، ويعمل معظم موظفيه في لوكسمبورغ، ولكن كلا البنكين ضعيف في المناطق الأكثر احتياجاً للتنمية.. في الدول الهشة، خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وباختصار، يحتاج نظام تمويل التنمية الأوروبي إلى إصلاح شامل، حيث إن الحفاظ على الوضع الراهن، حتى وإن كان معززاً بالتدابير القصيرة الأجل، التي اقترحتها مجموعة الأشخاص ذوي الحكمة، لن يساعد أوروبا على بناء مصداقيتها وقدرتها، لتضطلع بدور عالمي على المدى الطويل.

إن أحد الخيارات التي اقترحتها المجموعة هو إنشاء بنك جديد من نقطة الصفر، مع البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي، والمفوضية الأوروبية بصفتها مؤسسات مساهمة، ولكن هذا سيتطلب استثمارات ضخمة من رأس المال المالي، ويتطلب كذلك موظفين متخصصين، وسيستغرق الأمر وقتاً، لكنها جهود لا تقدر بثمن، إذا أردنا تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بحلول عام 2030.

وبسبب تلك المتطلبات، رفض وزراء مالية الاتحاد الأوروبي هذا الخيار بالفعل.والاحتمالان المتبقيان هما بناء البنك الجديد، إما من البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية، أو من بنك الاستثمار الأوروبي، وتفضل مجموعة الأشخاص ذوي الحكمة الخيار السابق.

ولسوء الحظ، بعد أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لن يسيطر الاتحاد الأوروبي إلا على ما يزيد قليلاً عن 50% من الأصوات في البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية، في حين تتطلب العديد من القرارات المهمة تصويت أغلبيات أكبر.

وإذا كانت أوروبا ستوفر المزيد من رأس المال، فلا توجد ضمانات بأن المساهمين من خارج الاتحاد الأوروبي سيوافقون على تقليص حصصهم في التصويت.

ويتضمن خيار بنك الاستثمار الأوروبي تحويل أصول البنك من خارج الاتحاد الأوروبي (حوالي 10% من المجموع)، إلى مؤسسة تابعة جديدة تخضع للسيطرة الكاملة للكيانات الأوروبية.

ويمكن أن تشمل هذه الأخيرة اللجنة، ومؤسسات التنمية الوطنية مثل KfW (كي إف دابليو) في ألمانيا، أو الوكالة الفرنسية للتنمية. والتحدي الكبير، وربما القاهر، هو تحويل بنك الاستثمار الأوروبي أو شركته الفرعية إلى مؤسسة تنمية، بغض النظر عن عدم وجود ميزات أساسية مثل قاعدة مساهمين شاملة، أو حضور محلي قوي.

ولحسن الحظ، هناك خيار رابع من شأنه أن يجمع بين الأجزاء المختلفة من النظام بطريقة مثيرة للاهتمام، وربما أكثر قبولاً من الناحية السياسية، بما في ذلك تعزيز إشراك مؤسسات التنمية الوطنية.

وتغطي العديد من هذه المؤسسات الوطنية مجالات مهمة، مثل الصحة والتعليم، وتعمل في أجزاء من العالم، حيث يتمتع البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي بحضور ضعيف أو منعدم.

ويمكن دمجها في نظام تمويل إنمائي أوروبي منفتح، تتنافس فيه المؤسسات الوطنية والإقليمية والعالمية على تنفيذ مشاريع الاتحاد الأوروبي المساعِدة، بموجب سياسة إنمائية أوروبية متماسكة.

ويتضمن الخيار الرابع أيضاً فصل أنشطة البنك الأوربي لإعادة البناء والتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي. ومن أجل زيادة قدرة البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية على الإقراض، قد يحتاج إلى رأس مال إضافي. ونظراً لأن مساهمي الاتحاد الأوروبي فقط هم المساهمون المحتملون، يجب زيادة حصص تصويتهم في البنك.

ولكنّ المساهمين من خارج الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، والأهم من ذلك البلدان المتلقية، سيظلون ممثَّلين، ما سيسهم في الحفاظ على نهج متعدد الأطراف. وفي الوقت نفسه، سيركز بنك الاستثمار الأوروبي على أن يصبح بنك المناخ الأوروبي، وسيقدم الدعم للمساعدة في تعزيز مؤسسات تمويل التنمية الوطنية.

والوقت مناسب الآن لإصلاح تمويل التنمية الأوروبي إصلاحاً شاملاً، ويرجع ذلك إلى حدٍ ما إلى أن الاتحاد الأوروبي يعِد حالياً ميزانية السنوات السبع المقبلة. وبنفس القدر من الأهمية سيواجه البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية، وهي مؤسسة تتمتع بسجل حافل وقدرة إقراض إضافية، خيارات استراتيجية مهمة على مدار الأشهر المقبلة.

ومع اقتراب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيواجه مساهمو البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية خارج الاتحاد الأوروبي، قريباً، خياراً صعباً بين الحد من حصصهم، أو السماح لإنشاء مؤسسة أوروبية جديدة لا يمتلكون فيها، لا هم، ولا البلدان المستفيدة من البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية، حصصاً.

وبدون الحصول على منح الاتحاد الأوروبي لن يكون البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية قابلاً للتطبيق في العديد من القطاعات والبلدان التي يعمل فيها حالياً، وقد يضطر في النهاية إلى الإغلاق.

وبدلاً من ترك البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية يتعثر ويفشل، يجب على الاتحاد الأوروبي وشركائه الدوليين وضع البنك في قلب تمويل التنمية الأوروبي. وفي وقت يزداد فيه عدم اليقين، والتهديدات الدولية المتزايدة، والتحديات الأساسية للتعددية، نحتاج إلى مؤسسات قوية أكثر من أي وقت مضى.