في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات الصناعية المتقدمة، لم يعد عدد متزايد من العمال يعملون لدى مشغل واحد بموجب عقد تقليدي؛ بل يكسبون دخلاً عن طريق ترتيبات عمل متنوعة (غير قياسية)، بما في ذلك العمل بوساطة المنصات الرقمية، أو ما يسمى بالوظائف المستقلة.

إن الفرق بين الموظف العادي والموظف المستقل لا يستهان به. إذ بموجب القوانين الحالية، يتمتع الموظفون بحقوق الحصول على العديد من أشكال الحماية والفوائد المهمة التي لا يتمتع بها الموظفون المستقلون. والسؤال الحاسم الذي يواجه صناع السياسة الآن هو ما إذا كان ينبغي تصنيف الموظفين المستقلين على أنهم متعاقدون مستقلون، أو موظفون في شركات المنصات التي لديهم عقود عمل معها، والتي يقدمون خدمات لزبائنها.

وحاولت كاليفورنيا، وهي ولاية أمريكية تضم أكثر من مليوني متعاقد مستقل، حل هذه المسألة بقانون جديد، وهو مشروع قانون جمعية كاليفورنيا 5، الذي يقنن المعايير القانونية لتحديد كيفية تصنيف العمال. وبتطبيق «اختبار ABC» المكون من 3 أجزاء، والذي تستخدمه العديد من الولايات بالفعل لتحديد ما إذا كان العامل مؤهلاً للحصول على تأمين ضد البطالة، يجعل قانون جمعية كاليفورنيا 5 من الصعب جداً على الشركات تصنيف عمالها على أنهم متعاقدون مستقلون بدلاً من موظفين.

ولكسب الدعم السياسي للموافقة على قانون جمعية كاليفورنيا 5، أعفى المشرعون العديد من أنواع المتعاقدين المستقلين - مثل الأطباء، وأطباء الأسنان، ووكلاء العقارات - على أساس أنهم يحددون معدلات التعويض الخاصة بهم، ويتواصلون مباشرة مع عملائهم، ويكسبون ما لا يقل عن ضعف الحد الأدنى للأجور. ولكن قانون جمعية كاليفورنيا 5 يغطي أكثر من 400000 عامل يشتغلون سائقين لدى شركات المنصات مثل شركات خدمات النقل المشترك (Uber) «أوبر» و(Lyft) «ليفت»، وشركة (DoorDash) «دور داش» لتوصيل طلبات الطعام.

إن إنفاذ قانون جمعية كاليفورنيا 5 يعني أن هذه الشركات ستضطر إلى البدء في تمتيع سائقيها بمزايا مثل الحد الأدنى للأجور، وأجرة العمل الإضافي، والإجازات المرضية، والتأمين ضد البطالة، ومساهمات صاحب العمل في الرعاية الصحية، والضمان الاجتماعي. وفضلاً عن ذلك، قد تضطر الشركات التي توظف الموظفين المستقلين إلى المساومة مع النقابات، والتي سيكون لعمالها الآن الحق في تشكيلها. وتُجري النقابات الوطنية مثل عمال النقل وسائقي الشاحنات، والمجموعات التي شكلت في الآونة الأخيرة، مثل سائقي النقل المشترك، اتصالات بالفعل لتنظيم مثل هؤلاء العمال.

وكما أشار حاكم ولاية كاليفورنيا غافن نيوزم، فإن قانون جمعية كاليفورنيا 5 هو خطوة مهمة نحو توفير الأمن الاقتصادي للعمال. ومع ذلك، كما يدرك كل من مؤيدي القانون ومعارضيه، فإن التغييرات يمكن أن تزيد من تكاليف العمالة بشكل كبير، بما يتراوح بين 20 و30%. وهذا آخر شيء تريده شركات المنصات ومستثمروها.

وليس مفاجئاً أن تحاول شركتا «أوبر» و«ليفت» إيقاف قانون جمعية كاليفورنيا 5، واقتراحهما تطبيق حد للأجور، وإنشاء صندوق للاستحقاقات، والسماح للعمال بتشكيل منظمات للدفاع عن مصالحهم، مقابل الاستمرار في تصنيفهم في خانة المتعاقدين المستقلين. ومع ذلك، رفض المشرعون في كاليفورنيا مقترحات الشركات، التي لم تحقق الفوائد، وأشكال الحمايات التي يتمتع بها الموظفون بموجب قانون الولاية والقانون الاتحادي. ورُفضت مقترحات مماثلة في نيويورك، ونيوجيرسي، وواشنطن.

ولكن شركات المنصات لن تستسلم بهذه السهولة. ورداً على قانون جمعية كاليفورنيا 5، أصدر توني ويست، كبير المسؤولين القانونيين في «أوبر» بياناً يعلن فيه: «ما زلنا نعتقد أن تصنيف السائقين على أنهم مستقلون تصنيف صحيح»، لأنهم «خارج المسار المعتاد لأعمال «أوبر»». وهذا تصريح غريب وفظيع بالنسبة لشركة يعتمد نموذج أعمالها على تقديم خدمات النقل المشترك، وخدمات التوصيل. وتعهدت كل من «أوبر»، و«ليفت»، و«داش دور»، بمبلغ 90 مليون دولار لمبادرة الاقتراع في كاليفورنيا لعام 2020، والتي ستعفيهم أساساً من قانون جمعية كاليفورنيا 5.

وتتبع شركات المنصات أيضا طريقا آخر للتهرب من قانون جمعية كاليفورنيا 5. وتسمح كاليفورنيا لأنصار مبادرة الاقتراع بسحبه، إذا كانوا يعتقدون أن المشاكل التي يهدف إلى حلها قد حلت بطريقة أخرى. لذا فإن «أوبر»، و«ليفت»، تطوران خطة مستحدثة من شأنها أن تضع معايير رواتب أعلى، وتوفر المزيد من المزايا، وإنشاء آلية لآراء السائقين.

إن نجاح هذا النهج أبعد من أن يكون مضموناً، ليس فقط في ولاية كاليفورنيا. إذ تدرس عدة ولايات، بما في ذلك نيويورك، وإلينوي، وأوريغون، وواشنطن، تشريعا يشبه قانون جمعية كاليفورنيا 5، وقد أشاد العديد من المرشحين للرئاسة الديمقراطية بالموافقة على قانون جمعية كاليفورنيا، مما يشير إلى أنهم سيدعمون تطبيقه على المستوى الوطني.

ومع ذلك، تعارض جهات رسمية توسيع حماية العمال التقليدية لتشمل الموظفين المستقلين. وقضى المجلس الوطني لعلاقات العمل الذي عينه ترامب مؤخراً بأن الموظفين المستقلين متعاقدون مستقلون وليس لهم الحق في النقابات. وفي خضم المناقشات الساخنة بشأن القوة السوقية للتكنولوجيا الضخمة، يتوقع أن يؤدي قانون جمعية كاليفورنيا 5، والتشريعات المماثلة إلى معارك قانونية وسياسية كبرى في عام 2020.

وفي الوقت نفسه، على افتراض تطبيق قانون جمعية كاليفورنيا 5، سيحتفظ المشغلون بالسلطة لتحديد كيفية توزيع تكاليف العمالة المتزايدة على أصحاب المصلحة؛ المساهمين، والعمال، والعملاء. وستُصاغ قرارات الشركات الفردية على أساس قوتها السوقية التقليدية وقوتها الاحتكارية، أي قوتها في أسواق العمل حيث تستأجر العمال.

واعترف نيوزم نفسه أن قانون جمعية كاليفورنيا 5 ليس سوى خطوة أولى. والخطوة التالية هي «إنشاء مسارات لمزيد من العمال لتشكيل اتحاد، والمساومة الجماعية لكسب المزيد، وليكون لهم صوت أقوى في العمل. كل ذلك مع الحفاظ على المرونة والابتكار». ولتحقيق هذه الغاية، تعهد «بعقد اجتماع لقادة من الهيئة التشريعية، والحركة العمالية ومجتمع الأعمال».

ويجب أن تدرك هذه المناقشات إمكانيات أنظمة الاستحقاقات القابلة للنقل. وبالسماح للعديد من أرباب العمل بتقديم مساهمات مؤيدة للحسابات الأمنية المرفقة بالفرد، بدلاً من الوظيفة، (أو مطالبتهم بذلك)، تمكن هذه الأنظمة العمال من الجمع بين الاستحقاقات من مختلف الشركات التي تشتري عملهم. ونظراً لأن جميع الشركات ستضطر إلى تقديم مساهمات لجميع عمالها، فإن نظام المزايا القابلة للنقل سيؤدي إلى المنافسة المتكافئة بين الشركات، بينما يثنيهم عن إساءة تصنيف العمال.

ويَحظى مفهوم المزايا القابلة للنقل بالفعل ببعض الزخم السياسي في الولايات المتحدة. إذ في وقت مبكر من هذا العام، بعد حوالي ثلاث سنوات من تأييد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما للفكرة، قدم السيناتور الأمريكي، مارك وارنر، قانون برنامج المزايا القابلة للنقل للموظفين المستقلين، والذي من شأنه إنشاء صندوق بقيمة 20 مليون دولار لدعم التجارب في هذا المجال.

وعلى حد تعبير نيوزم، فإن تفريغ الطبقة الوسطى الأمريكية كان منذ 40 عاماً. وبدلاً من السماح للتكنولوجيا بتسريع هذا الاتجاه، يجب على الحكومات على جميع المستويات تعزيز حماية العمال. وفي سوق عمل يتغير بوتيرة سريعة، ليس لدينا وقت نضيعه.

Ⅶالرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين لرئيس الولايات المتحدة، وأستاذ في كلية هاس للأعمال في جامعة «كاليفورنيا»، بيركلي، وكبير المستشارين في مجموعة «روك كريك»، وكبير المستشارين الخارجيين في معهد «ماكينزي غلوبال».