منذ خُلق نظام بريتون وودز قبل 75 عاماً، والبلدان تلتقي فيما بينها سعياً لتحقيق المنافع العامة العالمية، ما أدى إلى ظهور نظام تجاري دولي، وشبكة أمان مالية عالمية.

ونحن مدينون لهذا النهج المتعدد الأطراف بنجاحنا المشترك، إذ ساعد التدفق الحر للتجارة، والاستثمار، والأفكار، أكثر من أي وقت مضى، في انتشال المزيد من الناس من الفقر. وتوسع الطبقات الوسطى المتنامية في العالم الآن، فرص تبادل السلع، والخدمات، والابتكار.

وعن طريق ضمان الأمن الاقتصادي والسياسي العالمي، يسمح النظام المتعدد الأطراف لكل من الدول الكبيرة والصغيرة بإظهار قدراتها. وبصفتنا مستفيدين من هذا النظام، نتحمل جميعنا مسؤولية حماية المؤسسات التي عززت ازدهارنا الاقتصادي. ويجب أن نعمل الآن معاً، للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن التحديات العالمية الملحة.

إن ارتفاع التوترات التجارية هي واحدة من هذه التحديات. ومع أننا نقر بأنه يجب معالجة القضايا المشروعة، فإننا نقلق من تزايد مخاطر الضرر الجانبي. ويسهم عدم اليقين بشأن التوقعات العالمية في تباطؤ النشاط التجاري والصناعي. ويزداد تقلب الأسواق المالية، وعدم استقرار العملات وسط تدفقات رأس المال المتراجعة إلى الاقتصادات الناشئة. ويؤثر تدهور ظروف التجارة العالمية في ثقة المستثمرين، والإنفاق التجاري، والإنتاجية. وتظل المخاطر مائلة إلى الجانب السلبي، ويواصل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي مراجعة توقعات النمو الاقتصادي الخاصة بهما.

ونحن بحاجة إلى عكس المسار، وهذا يتطلب العمل الجماعي. إن الخطوة الأولى هي دعم النظام المتعدد الأطراف القائم على القواعد. وإضافة إلى احترام الأولويات المحلية لكل بلد، نحتاج إلى حماية الأسواق الحرة والمنفتحة، لأن هذا هو ما سيضمن نمواً أقوى، وازدهاراً أكبر للجميع. ويجب أن لا نلجأ إلى الأحادية والحمائية. إن متابعة المواجهة بدلاً من الحوار لن يؤدي إلا إلى تفاقم المخاطر، وتآكل الثقة، وإضعاف احتمالات الانتعاش الاقتصادي العالمي. كما أن التسوية هي المفتاح لتحقيق نتائج مربحة للجميع، واكتساب ثقة متبادلة.

وتعتمد التعددية على المبادئ الأساسية لعدم التمييز، وإمكانية التنبؤ، والشفافية. ونحن نلتزم بهذه المبادئ لأننا نعرف أنها فعالة، إذ في عام 2008، اجتمع صناع السياسات من جميع أنحاء العالم - وخاصة من دول مجموعة العشرين - لحماية الاقتصاد العالمي. واتخذ القادة إجراءات حاسمة، ومنسقة اعتُرف على نطاق واسع بأنها عززت ثقة المستهلك والشركات، مما أعطى دفعة للمراحل الأولى من الانتعاش. ثم استمرت مجموعة العشرين في تنفيذ إصلاحات تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي، عن طريق تعزيز التنظيم والرقابة المنسقة.

وفي الآونة الأخيرة، استجاب قادة مجموعة العشرين للمخاوف المتزايدة بشأن تجنب ضريبة الشركات. وفي نوفمبر 2015، وافقت الدول الأعضاء على استراتيجية لضمان فرض ضرائب على الأرباح متعددة الجنسيات في البلد الذي يعرف نشاطاً اقتصادياً. وأظهر هذا الإجماع التزاماً بالعدالة، والشفافية، والمساءلة في مواجهة تحدٍ معقد عابر للحدود. وفي البيئة العالمية الحالية، نحتاج إلى المزيد من هذا النوع من القيادة والتعاون.

إن مجموعة العشرين هي منتدى مهم لقادة العالم للتوصل إلى اتفاق بشأن حلول لمشكلاتنا المشتركة، لأنها صغيرة بما يكفي لتكون فعالة، لكنها كبيرة بما يكفي لتكون ممثِّلة. ولكن هناك مخاوف مشروعة من أن النظام المتعدد الأطراف تكافح من أجل إدارة تعقيد الاقتصاد العالمي الحالي. ونحن بحاجة إلى إلقاء نظرة صادقة على نظامنا التجاري، وإصلاح إدارة مؤسساتنا المتعددة الأطراف، ووضع اتفاقية تعاونية بشأن الضرائب الرقمية.

وهذه قضايا منفصلة، ولكن يجب معالجتها بالطريقة نفسها: عن طريق الحوار المتعدد الأطراف، والوصول إلى توافق الآراء. ويجب أن تتمثل الأهداف الشاملة في تقليل حوافز العمل الأحادي، واحترام المعايير، والقوانين الدولية.

ولدى البلدان التي ستتولى رئاسة مجموعة العشرين على مدار السنوات الثلاث المقبلة الفرصة - والمسؤولية - لتحديد الاتجاه الاستراتيجي للمجموعة. ويجب أن تستمر مجموعة العشرين في دعم نظام تجاري منفتح، وشبكة أمان مالية عالمية يمكنها تحمل الأزمات، والتصدي للتحديات مثل عدم كفاية الاستثمار في البنية التحتية، وضعف نظام مقاومة الكوارث. وتوفر مجموعة العشرين أيضاً منتدىً فريداً من نوعه لتبادل وجهات النظر الوطنية بشأن التحديات المشتركة، بما في ذلك مستقبل العمل، والتمكين الاقتصادي للمرأة، وسياسة المنافسة.

ومن أجل استعادة الثقة المفقودة، يحتاج نظامنا المتعدد الأطراف إلى قوة جديدة لمقاومة تعقيد ظروفنا الحالية. ولكي تستعيد مجموعة العشرين دورها كعنصر عالمي خلال الأزمة المالية العالمية لعام 2008، تحتاج إلى مواصلة بناء التفاهم والتعاون المتبادلين، حتى تتمكن من تقديم الدعم والمساندة فيما يتعلق بالمشكلات المتعددة الأطراف في حالة حدوث أزمة اقتصادية أخرى.

إن هذا ليس شيئاً يمكن لبلد أو بلدين القيام به بانفراد. إن علينا جميعاً أن نضطلع بدور معين في استعادة النظام المتعدد الأطراف الذي أسهم كثيراً في نمونا وازدهارنا المشتركين على مدار السبعين عاماً الماضية.

إن عزمنا الجماعي وحكمتنا يمكن أن يعيدا الاقتصاد العالمي إلى مسار أكثر إيجابية. ولأننا وزراء كبار، فإننا نتكلم بصراحة، لنؤكد أننا سنستخدم كل طاقاتنا لتشجيع التعاون في مواجهة التحديات العالمية التي نواجهها معاً.

 

ــ أمين صندوق أستراليا، ونائب زعيم الحزب الليبرالي.

ــ  نائب رئيس الوزراء، ووزير المالية في سنغافورة.

ــ  وزيرة مالية إندونيسيا.

ــ  وزير المالية في الحكومة الكندية.

opinion@albayan.ae