عندما سيجتمع قادة العالم في نيويورك غداً لحضور الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، سيتعين عليهم مناقشة الكثير من القضايا إلى جانب مشكل تغير المناخ والتنمية المستدامة.

على وجه الخصوص، يُشكل التنافس بين القوة العظمى أي الولايات المتحدة والقوة العظمى الصاعدة، الصين، أمراً مهماً في العالم. لذلك يجب على الأمم المتحدة أن تساهم في تجنب حرب باردة أخرى.

في خضم النقاش حول ظهور عالم G2 الذي تهيمن عليه أمريكا والصين، من السهل أن ننسى أن نظاماً مشابهاً - يضم الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كان قائماً منذ عقود بعد الحرب العالمية الثانية.

في أواخر السبعينيات والثمانينيات فقط أصبح من الواضح أن النظام السوفييتي لم يستطع التنافس مع رأسمالية السوق. بعد سقوط حائط برلين في عام 1989 والانهيار السوفييتي الذي تلا ذلك، تخلّى ذلك العالم عن نظام G1+n، حيث لم تتمكن جميع البلدان الأخرى (n) من منافسة أمريكا كقوة عظمى عالمية.

كان ربع القرن الذي تلا ذلك عبارة عن فترة من التعددية الليبرالية القائمة على القواعد. يبدو أن الديمقراطية والرأسمالية القائمة على السوق قد نجحت فيما أطلق عليه فرانسيس فوكوياما «نهاية التاريخ».

وقد دافعت الولايات المتحدة على نطاق واسع عن هذا النظام - حرب العراق عام 2003 كانت استثناءً واضحاً - ومثل معظم البلدان، استفادت بشكل كبير من العولمة وظهور سلاسل قيّمة معقدة جديدة.

لكن الصعود المُفاجئ للصين خلال هذه الفترة قد وضع حداً لنظام G1+n. على الرغم من أن أمريكا لا تزال القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية الرائدة في العالم، إلا أنها يجب عليها مشاركة هذا الوضع مع الصين.

يُجادل البعض بأننا نعيش الآن في عالم متعدد الأقطاب، حيث تتمتع البلدان المتوسطة المهمة بقدرة كافية للتأثير في الشؤون العالمية.

من وجهة النظر هذه، رغم أن العالم ليس مُسطحاً، إلا أنه يحتوي على العديد من المحاور في مجالات مثل التدفقات المالية والتجارة وإدارة البيانات الكبيرة والإنترنت.

يبرز هذا الهيكل المحوري بدوره العديد من الأشكال المختلفة للتعاون والمنافسة المحتملة بين الحكومات.

يقدم هذا النموذج وصفاً منطقياً لدور بعض الدول مثل الهند وألمانيا وروسيا والبرازيل واليابان في النظام العالمي الحالي. كما يُبين كيف تعتمد القوى والفرص لتشكيل تحالفات فعّالة للعمل الجماعي على القضية المعنية وعلى انقسام أو تركيز المصالح المرتبطة بها.

ومع ذلك، تدعم هذه النظرة المتعددة الأقطاب للعالم الاختلال الكبير في القوة بين G2 والمجموعات الأخرى.

تسترجع هذه الاختلالات نظام الفترة ما بين عامي 1945 و1989. على نحو مماثل، وإن لم يكن ذلك بشكل صارخ مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، فإن أمريكا والصين منقسمتان أيديولوجياً ولديهما علاقات جافة متبادلة.

ومع ذلك، من الناحية الاقتصادية، فإن عقوداً من العولمة جعلتهما أكثر ترابطاً، مما أدى إلى «نظامين، وعالم واحد»، على حد تعبير وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر.

لقد أصبح هذا الترابط أحد الأصول الاستراتيجية ومسؤولية على حد سواء، حيث يمكن لكلا البلدين السعي لتحقيق مكاسب جيوسياسية عن طريق تسليح الشبكات العالمية مثل سلاسل الإمداد وأنظمة المقاصة المالية والبنية التحتية للاتصالات.

يمكن لبعض التطورات تغيير الوضع الحالي. أولاً، يمكن أن تتطور كل من الصين والولايات المتحدة بطريقة تُقربهما أيديولوجياً. يمكن لإدارة أمريكية جديدة بعد انتخابات عام 2020 الرئاسية أن تقود مساراً دولياً، في حين أن التقدم الاقتصادي الملحوظ في الصين قد يؤدي إلى التحرير السياسي التدريجي، ولكن من غير المرجح أن يتحقق هذا الاحتمال اليوم.

إذا أحرزت هذه الحركات أي تقدم، فيمكن أن تُعزز بعضها البعض.

ثانياً، يمكن أن يصبح الاتحاد الأوروبي الأكثر تكاملاً القوة العظمى الثالثة في عالم G3 ويلعب دوراً رئيسياً في تحقيق التوازن بين الولايات المتحدة والصين. تتمتع أوروبا بالموارد الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والبشرية اللازمة، كما أن التعددية مهمة للغاية بالنسبة للاتحاد الأوروبي.

من الناحية المثالية، ستجري تلك التطورات في وقت واحد. إذا سعت أوروبا إلى تحقيق تكامل أكثر وتطلعت أمريكا للخارج لتعزيز روابطها فسيتم دعم تعددية الأطراف مرة أخرى باعتبارها أفضل طريقة للحفاظ على السلام وتقديم المنافع العامة العالمية مثل حماية المناخ، وسيكون من الأصعب والمكلف أن تبقى الصين جانباً.

لكن على المدى الطويل، من المرجح أن تُنافس القوة الصينية القوة الأمريكية والأوروبية مجتمعة. على الرغم من أنه يجب التعامل بحذر مع التوقعات الاقتصادية الطويلة الأجل، فإن توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تُشير إلى أنه بحلول عام 2040، سيكون الاقتصاد الصيني كبيراً مثل اقتصاد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لـ 27 دولة.

بطبيعة الحال، يُعد الناتج المحلي الإجمالي مجرد مقياس واحد، لكن المقاييس الأخرى المتعلقة بالتكنولوجيا أو المهارات تحقق نتائج مماثلة.

ستنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام وسط أوجه تشابه مثيرة للقلق مع الحرب الباردة القديمة. من خلال النزاع التجاري المُتصاعد، تفرض الولايات المتحدة والصين تكاليف اقتصادية كبيرة على نفسها وعلى بلدان أخرى.

وإذا أصبح العالم مُنقسماً بدرجة أكبر إلى «نظامين»، فسيكون من الصعب للغاية التوصل إلى اتفاق بشأن القوانين الدولية التي تشتد الحاجة إليها في مجالات مثل الضرائب، والفضاء الإلكتروني، وعلم الوراثة الحيوية.

الأمم المتحدة، مع وكالاتها المتخصصة، هي أكثر من مجرد منتدى للحكومات؛ كما أنها تستمد القوة الناعمة من الأهداف «العالمية» للسلام والتنمية - والآن حماية المناخ - التي تمثلها.

عند تأسيسها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت الأمم المتحدة تُعتبر قبل كل شيء الوصي الأول على نظام متعدد الأطراف قائم على قواعد من شأنه أن يمنع الصراع العنيف بين الدول الأعضاء. اليوم، يجب عليها مواصلة مهمتها التأسيسية ومنع حدوث حرب باردة جديدة ومختلفة وشديدة الخطورة.