عندما يسمع الروس الأناشيد بالترتيب «القائم على القواعد»، عادة ما يَردُّون بالسؤال عن من يكتب القواعد فعلاً. وفي الواقع، يلخص هذا السؤال نفسه الآن، موقف الكرملين من تعددية الأطراف التي يدعمها الغرب.

إن روسيا لا تريد حقاً، أن ترى النظام العالمي المتعدد الأطراف القائم على القواعد يتراجع، إذ عندما يعبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومسؤولون كبار آخرون عن رغبتهم في استعادة القانون الدولي، والدور المركزي للأمم المتحدة، فإنهم يعنون ما يقولون.

والأمم المتحدة، في آخر المطاف، هي المنتدى المفضل لروسيا. وبصفة روسيا عضواً دائماً يتمتع بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة -وقوة عسكرية هائلة- فهي تمارس الكثير من النفوذ هناك.

والمشكلة، حسب تقدير الكرملين، هي أن نظام المؤسسات المتعددة الأطراف المتمركز حول الأمم المتحدة يمر الآن بأزمة نتجت عن الهيمنة الأحادية الحالية عليه. ويرغب قادة روسيا في رؤية عالم يحترم فيه الجميع ميثاق الأمم المتحدة. ولكن إذا أخفق في ذلك، فإن روسيا تفضل أن يكون براغماتياً وساخراً: قوة عظمى تشق طريقها عبر النظام الدولي، وتنتزع النفوذ من جيرانها.

ومع ذلك، فإن التعاون المتعدد الأطراف المتجدد عن طريق الأمم المتحدة، من شأنه أن يبرز قوة روسيا، ويسمح لها بنشر خبراتها الخاصة. وفي المجالات التي لا تملك فيها روسيا مصلحة مباشرة، ولا خبرة كبيرة، فإنها لا تستثمر الكثير من الجهد في التعاون المتعدد الأطراف.

ومن بين الأمثلة على ذلك، انضمام البلد البطيء المؤلم إلى منظمة التجارة العالمية. ولأن روسيا تصدر معظم السلع، فإن الدافع وراء قرارها بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، كان المكانة التي ستمنحها العضوية أكثر من الاعتبارات الاقتصادية الملموسة. ونتيجة لذلك، استغرق الأمر 19 عاماً قبل أن تنضم روسيا فعلياً إلى المنظمة (وهو ما فعلته في عام 2012).

ويتجلى مثال آخر في تغير المناخ، إذ مع أن روسيا طرف رسمي في المفاوضات، والأطر الدولية للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، فإنها بالتأكيد ليست في مقدمة النقاش حول المناخ. ومن وجهة نظر الكرملين، لا يشكل الاحتباس الحراري تهديداً مباشراً لروسيا، إذا فهو لا يثير قلقاً كبيراً.

وفي غياب عالم يحكمه فعلاً القانون الدولي، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، تعد صيغة روسيا المفضلة للتعددية شيئاً يشبه «مؤتمر الأمم» في القرن التاسع عشر في أوروبا. وبموجب هذا النوع من الترتيب، يجب أن تلتقي بعض القوى العظمى المختارة من حين لآخر، لمناقشة القضايا العالمية، واتخاذ إجراءات جماعية عندما تتلاقى مصالحها، كما هو الحال في مكافحة الإرهاب، أو مكافحة القرصنة في القرن الأفريقي. وفي الوقت نفسه، ينبغي لهذه القوى الامتناع عن التدخل في شؤون بعضها البعض، من أجل الحفاظ على مجالات نفوذها.