لطالما كانت هونغ كونغ منار إلهام للمدن الآسيوية. ولكونها تتمتع بقدر عال من التنافسية والتواصل، فقد كانت جسراً بين الشرق والغرب، وحصلت إثر ذلك على لقب «مدينة آسيا العالمية». ولكن هذا الموقف أصبح الآن مهدداً.

ومنذ عدة أشهر، شهدت هونغ كونغ احتجاجات بدأت بقانون تسليم المجرمين المقترح، الذي يهدف إلى تبسيط عملية نقل المجرمين المشتبه بهم إلى تايوان، وبر الصين الرئيسي، وماكاو. نظر المتظاهرون، بالإضافة إلى العديد من المراقبين الخارجيين، إلى مشروع القانون هذا، منذ تعليقه إلى أجل غير مسمى، على أنه محاولة خفية من قبل الحكومة المركزية في الصين، لإنشاء أداة قانونية تجلب بها أعداءها المحتملين إلى ولايتها القضائية.

ومن هذا المنطلق، يقول المنطق إن مشروع قانون تسليم المجرمين سيهدد حرية هونغ كونغ، وحكمها الذاتي بموجب مبدأ «دولة واحدة، نظامان» الذي يدعم علاقة المدينة مع الصين القارية منذ عام 1997، عندما تم استعادة السيادة الصينية في المستعمرة البريطانية السابقة. لكن المنطق خاطئ.

وتعد ترتيبات التسليم أمراً مألوفاً، إذ تقوم بها هونغ كونغ مع 20 دولة أخرى. والأهم من ذلك، أن الحكومة الصينية تدرك أن من مصلحتها الخاصة ضمان بقاء هونغ كونغ مدينة عالمية مسالمة ومزدهرة، وتجمع بين الممارسات التجارية الصينية والغربية، وأنظمة الحكم، والأيديولوجيات.

ولهذا السبب منحت الحكومة المركزية في الصين لهونغ كونغ الكثير من التنازلات، إذ يدفع سكان هذه المدينة قيمة ضريبية أقل مقارنة مع غيرهم من المواطنين الصينيين، وهذا يعني أنهم يساهمون بأقل من حصتهم العادلة في المنافع العامة الوطنية في مجال الدبلوماسية، والدفاع، والأمن. وسواء أصدر قانون التسليم أو لا، فهم يتمتعون بأكبر قدر من الحرية والاستقلالية.

ولكن ما تتمتع به هونغ كونغ أصبح الآن في خطر، ويعزى ذلك، إلى حد كبير، إلى انعدام الأمن فيها. وكما أوضح العديد من المعلقين، أدى النمو الاقتصادي الملحوظ في بر الصين الرئيسي، في العقود الأخيرة، إلى تراجع دور هونغ كونغ الرائد في مركز التمويل، والخدمات اللوجستية، والتجارة.

وفي عام 1997، تعاملت هونغ كونغ مع نصف تجارة الصين الخارجية، وبلغ معدل الناتج المحلي الإجمالي فيها ما يقرب من خُمس التجارة الصينية. وقد تفوقت بشكل كبير على شنغهاي -المدينة الأكثر رفاهية في الصين- من حيث الناتج المحلي الإجمالي، ودخل الفرد، وحجم الشحن.

واليوم، تمثل هونغ كونغ فقط ثُمن تجارة الصين. وفيما يتعلق بالناتج المحلي الإجمالي، فإنه لا يتخلف الآن عن شنغهاي فحسب، بل عن بكين، وشنجن أيضاً. ومن حيث حجم الشحن، فإن مدينة نينغبو الصينية الأصغر بكثير، تتفوق الآن على هونغ كونغ.

ولكن الأمر الأكثر إحباطاً بالنسبة لسكان هونغ كونغ هو ارتفاع معدل عدم المساواة داخل المدينة - وهي ظاهرة تتفاقم بسبب ارتفاع أسعار العقارات في العالم. وفضلاً عن ذلك، فإن شباب هونغ كونغ يجدون أنفسهم في وضع ضعيف في الأوساط الدولية، بسبب ضعف المهارات في اللغة الإنجليزية، والماندرين الصينية.

ولكن السياسة المحلية، وليس الحكومة المركزية في الصين، هي التي أعاقت توفير المزيد من المساكن الاجتماعية بأسعار معقولة، وأعاقت العمل لتحسين المهارات وفرص العمل. وعندما يتعلق الأمر بالمركز الاقتصادي والمالي لهونغ كونغ، ينبغي أن تتدخل مبادرات الحكومة الصينية للمساعدة. وبشكل خاص، تتمتع المجموعة الحضرية الكبرى لمنطقة الخليج الأكبر، التي تغطي تسع مدن حول دلتا نهر اللؤلؤة في جنوب مقاطعة قوانغدونغ، بالإضافة إلى هونغ كونغ وماكاو، إمكانات كبيرة. ومع ذلك يقاوم البعض في هونغ كونغ مثل هذا التكامل، بحجة أنه سيؤدي إلى المزيد من التراجع في استقلالهم السياسي، وقوتهم الاقتصادية، وهويتهم المحلية.

والسؤال هو لماذا تسببت مظالم هونغ كونغ (المحلية إلى حد كبير) في مثل هذه المظاهرات الواسعة النطاق. فعلى سبيل المثال، اجتذبت مظاهرة 16 يونيو ما يقرب من مليوني شخص، مما يجعلها الأكبر في تاريخ المدينة.

وقد تكمن الإجابة جزئياً في الإنترنت- أو بشكل أكثر دقة في غرف الصدى الرقمية التي تخلق بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي. ولم تكن هذه الظاهرة مقتصرة على هونغ كونغ، بل كانت حاضرة في موجة المظاهرات العالمية في الفترة ما بين 2009 و.

وفي كتابه «شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت»، يقول المنظر الاجتماعي، مانويل كاستيلز، إن مثل هذه «التمردات متعددة الأوجه»، لم تكن نتيجة للفقر، أو الاقتصاد، أو عدم وجود الديمقراطية بقدر ما كانت نتيجة «للإذلال الذي أحدثته سخرية وغرور من هم في السلطة».

ولكن لم تترجم هذه المشاعر إلى عمل جماعي إلا عن طريق التواصل. وسهلت منصات التواصل الاجتماعي هذه العملية. ولكن عن طريق الجمع بين أصحاب وجهات النظر المتشابهة حول القضايا المحلية، فإنها تعزلهم عن الآراء المتعارضة. وأدى هذا إلى تأجيج الاستقطاب.

وغالباً ما تفسح مثل هذه الحركات مجالا للعنف، وهو ما بدأت تدركه هونغ كونغ الآن. وفي وقت سابق من هذا الشهر، اقتحم المتظاهرون مبنى المجلس التشريعي، وقاموا بأعمال تخريبية هناك، ليأتي بعد ذلك دور مكتب الاتصال التابع للحكومة الصينية.

إن مثل هذه الأنشطة، إلى جانب توسيع التظاهرات إلى المناطق المحلية، تجعل الشرطة تستنفذ قواها. وهذا يضع المحتجين أنفسهم في خطر: ففي الأسبوع الماضي، هاجم عشرات من الرجال الملثمين المسلحين بالهراوات المسافرين العائدين من مظاهرة في محطة مترو. ونقل خمسة وأربعين شخصاً إلى المستشفى، أحدهم في حالة حرجة.

وفي هذا الجو المشحون والمستقطب للغاية، لن يكون الحفاظ على موقع هونغ كونغ كجسر مستقر وموثوق به بين الصين وبقية العالم أمراً سهلاً. ولكنه في مصلحة الجميع. وستكون الخطوة الأولى هي إجراء مناقشة جادة حول كيفية الموازنة بين الحكم الذاتي الذي وعد به مبدأ «نظامان» والسيادة التي يضمنها «بلد واحد».

وأثناء هذه العملية، يجب على سكان هونغ كونغ إجراء عملية حسابية غاية في الأهمية. وبصفتها الجزء الدولي الأكبر من الصين، تلعب هونغ كونغ دوراً رئيسياً في تشكيل تكامل الصين العالمي المستمر، وتشجيع الانفتاح. وإذا تخلت عن هذا الدور، فإن الحكومة المركزية في الصين سوف تمضي قدماً على أي حال، تاركة هونغ كونغ وراءها.

 

*عضو في المجلس الاستشاري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بشأن التمويل المستدام

** رئيس معهد هونغ كونغ للتمويل الدولي، وأستاذ ومدير معهد أبحاث طريق الحرير البحري في كلية HSBC (إيتش إيس بي سي) للأعمال بجامعة بكين

opinion@albayan.ae