يقترح المرشحون في الانتخابات الأمريكية لعام 2020 مجموعة من السياسات الاقتصادية التي كثيراً ما توصف بأنها إما سياسات «السوق الحرة» أو سياسات «اشتراكية». وغالباً، يربك هذان الوصفان عامة الناس في أمريكا.
من المفهوم على نطاق واسع وعلى نحو خاص -وخاطئ- أن الرأسمالية مرادفة للأسواق الحرة. بيد أنها الحقيقة تشمل جميع الأنظمة الاقتصادية التي تسمح بالملكية الخاصة، من الأسواق الحرة إلى الديمقراطية الاجتماعية.
تتطلب هذه الأشكال المختلفة من الرأسمالية قواعد أساسية تحكم عمل الأسواق، مثل حماية الملكية وسيادة القانون. كما تطبق أغلب المجتمعات الرأسمالية برامج اجتماعية لحماية الفئات الأكثر ضعفاً.
ولهذا تواجه الحكومات في الاقتصادات الرأسمالية اختيارين أساسيين. فأولاً، يمكنها إما أن تضع قواعد السوق لتحقيق الصالح العام، أو تفوض هذه المهمة لشركات كبرى تحت ستار «الأسواق الحرة».
ثانياً، يمكنها أن تعمل على تصميم برامج اجتماعية شاملة بهدف تضييق فجوة التفاوت وحماية البيئة، أو يمكنها تقليص حجم هذه البرامج من أجل تقليل الإنفاق الحكومي في هذه المجالات.
تؤثر الاختيارات التي تتخذها الحكومة بقوة على مستويات التفاوت بين الناس، والانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي، ورفاهة البشر في الإجمال. وعلى هذا، يتعين علينا إذا كنا راغبين في تقييم السياسات الاقتصادية التي يتبناها المرشحون الديمقراطيون على النحو الصحيح أن نفهم مقترحاتهم في ما يتصل بهيكلة الأسواق والبرامج الاجتماعية.
دأب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ذم مثل هذه التدابير بوصفها «اشتراكية»، وهو يشيد بالأسواق الحرة دون الاعتراف بأن الأسواق تحتاج إلى قواعد تحكم أداءها لوظيفتها.
وبدلاً من الاعتماد على الحكومة في وضع القواعد، يفضل ترامب السماح للشركات المتعددة الجنسيات باتخاذ القرار بشأن الكيفية التي تدير بها أسواقها. ولكن في قطاع شركات التكنولوجيا الضخمة والعديد من القطاعات الأخرى المركزة على نحو متزايد، لا تؤدي إزالة الضوابط التنظيمية إلى زيادة المنافسة؛ بل إنها على العكس من ذلك، تسمح للشركات الكبرى بالتلاعب بكل شيء لصالحها.
لنتأمل قطاع الطاقة، حيث ذهب ترامب إلى جعل شركات الفحم والنفط والغاز الكبرى مسؤولة عن وضع سياسات المناخ في الولايات المتحدة. فالآن بات بوسع رؤساء الشركات تحديد إلى أي مدى يمكنهم إحداث التلوث وبأي سرعة يتعين عليهم أن يعملوا على تنمية قدرات الطاقة المتجددة، في حين تظل الولايات المتحدة مدمنة على الوقود الأحفوري.
وفي قطاع الرعاية الصحية، تتمتع شركات الأدوية الكبرى بحرية تحديد أسعار الأدوية، كما تجني شركات التأمين الكبرى ربع إيرادات القطاع. ويحكم مجمع الصناعات العسكرية وزارة الدفاع، وتسيطر البنوك الاستثمارية على وول ستريت، وتتحكم التكتلات الزراعية الكبرى في الأراضي الزراعية في أمريكا.
يسمح تركز الأسواق لقِلة من الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات بالتحكم في أي صناعة، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار والأجور التنفيذية المفرطة.
وتسحق الشركات الكبرى القائمة القادمين الجدد من أجل الحفاظ على قوتها السوقية، ثم تستخدم الأرباح الزائدة للمساعدة في انتخاب مشرعين ودودين وممارسة الضغوط من أجل الحصول على سياسات تدعم استمرار هيمنتها ــ ويعمل هذا غالباً على تقويض قوة الحركات الديمقراطية الشعبية.
وقد أبرز العديد من مرشحي الحزب الديمقراطي هذه المشاكل. على سبيل المثال، تلوم إليزابيث وارين الشركات الكبرى على اتساع فجوة التفاوت وأزمة المناخ، وتقويض الديمقراطية الأمريكية. كما دعا بيرني ساندرز إلى ثورة سياسية على مستوى القاعدة لخلق الديمقراطية الاجتماعية في الولايات المتحدة.
على الرغم من الاختلاف بين وارين وساندرز في ما يتعلق بالتفاصيل، فإن كلاً منهما يريد أن يعيد إلى الحكومة المسؤولية عن هيكلة الأسواق من أجل الصالح العام -بما في ذلك فرض ضرائب أعلى على الأثرياء والشركات، إلى جانب تطبيق أكثر صرامة لقوانين مكافحة الاحتكار والبيئة.
كما يدعو كلا المرشحين إلى إنشاء برامج اجتماعية حكومية تهدف إلى تزويد الجميع بالرعاية الصحية، ورعاية الأطفال، والتعليم العالي، والسكن والوظائف اللائقة، إلى جانب شبكة أمان اجتماعي لدعمهم في الأوقات العصيبة.
كما دعا مرشحون ديمقراطيون آخرون إلى بعض هذه التدابير، لكن عدداً أكبر من المرشحين الوسطيين يقولون إن مثل هذه البرامج ستكون باهظة أو إنها ربما تقوض الحرية، وهم بالتالي يرددون انتقادات اليمين النمطية. ومع ذلك، يحتاج النظام الرأسمالي في أمريكا إلى إصلاح كبير للتصدي لأزمة المناخ ومستويات التفاوت المرتفعة إلى درجة غير مقبولة.
يعكف بعض الخبراء على رسم خريطة الطريق إلى الأمام؛ فيقول رجل الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيجليتز إن الرأسمالية التقدمية من الممكن أن تساعد في الحد من استلاب الثروات، وخلق اقتصاد أكثر استدامة وعدالة. وتدعو الميزانية الأخلاقية للفقراء إلى إنشاء برامج اجتماعية تقدمية تمول عن طريق الضرائب وإعادة توجيه الإنفاق الفيدرالي القائم.
أنشأ فريقنا البحثي في جامعة كاليفورنيا في بيركلي مؤشر سياسة الرخاء المشترك المستدام لقياس السياسات التي تدعم حياة ذات مغزى في ظل عالم مستدام.
يصنف المؤشر 50 دولة استناداً إلى ثلاثة معايير عريضة: سياسات تنظيم الأسواق بما يتفق مع القواعد والضرائب؛ وتدابير حماية البيئة؛ والبرامج الحكومية التي تدعم شعباً موفور الصحة ومتعلماً جنباً إلى جنب مع البنية الأساسية لحقوق الإنسان التي تنشئ مجتمعاً يؤدي وظيفته على نحو صحيح.
ومن خلال جمع البيانات حول 50 مؤشراً للسياسات، يوفر مؤشر سياسة الرخاء المشترك المستدام خريطة طريق عملية نحو إنشاء اقتصاد يهتم بالناس والبيئة.
ينبغي لجميع المرشحين أن يقدموا خططهم للاقتصاد حتى يتسنى للناخبين تقييم الكيفية التي قد تؤثر بها البدائل المختلفة على جودة حياتهم. ويحتاج الناس إلى معرفة ما إذا كانوا سيحصلون على الرعاية الصحية، والتعليم العالي، ورعاية الطفل، إلى جانب وظيفة آمنة بأجر لائق وتتيح الوقت لحياة اجتماعية متوازنة.
من المؤكد أن هذه التوقعات والمطالبات ليست كثيرة على مواطني دولة غنية، فأمريكا تتمتع بالموارد اللازمة لخلق اقتصاد رأسمالي أفضل، ونحن نعرف أي السياسات يمكنها تحسين الرفاهية.
Ⅶ أستاذة علوم الاقتصاد ومديرة مركز العمل والتكنولوجيا والمجتمع في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وهي مؤلفة كتاب «الاقتصاد البوذي: نهج مستنير في تناول العلم الكئيب».
Ⅶ منسق البحوث لمؤشر الرخاء المشترك المستدام التابع لجامعة كاليفورنيا في بيركلي.


