كرر محافظ البنك المركزي الفنلندي، أولي رين، توجيه الدعوة إلى البنك المركزي الأوروبي لإجراء المراجعة التي طال انتظارها لإطار سياساته.
ويقدم التغيير المقبل للقيادة في البنك المركزي الأوروبي - حيث من المرجح أن تخلف كريستين لاغارد، المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي منذ عام 2011، ماريو دراجي في منصب رئيس البنك - فرصة كبرى للاستجابة لهذه الدعوة.
عندما تأسس البنك المركزي الأوروبي قبل عشرين عاماً، لم تكن البنوك المركزية في عموم الأمر واضحة بشأن تفاصيل أطر السياسات التي تنتهجها.
في ذلك الوقت، ربما كان بعض الغموض مفيداً، بسبب المرونة التي سمح بها عندما بدأ البنك المركزي الأوروبي العمل. علاوة على ذلك، سمح ذلك للقائمين على البنوك المركزية من ذوي الخبرات ووجهات النظر المختلفة بالاتفاق على إطار واحد، ولو أنهم ربما لم يتفقوا على تفاصيله الدقيقة.
لكن العالم تغير إلى حد بعيد منذ ذلك الحين، والآن يطالب الناس بالمزيد من الوضوح. كيف إذن قد يتسنى للبنك المركزي الأوروبي أن يقدم ذلك، بعد ستة عشر عاماً من المراجعة الأخيرة لإطار سياسته النقدية؟
منذ تلك المراجعة، التي أجريت في عام 2003، تسببت الأزمة المالية العالمية، وأزمة الديون الأوروبية التي تلتها، في دفع البنك المركزي الأوروبي إلى تبني وفرة من أدوات السياسة الجديدة. ولا يمكن تفسير تدابير الأزمة هذه، التي كانت تفتقر إلى الشعبية بشدة، وخاصة في ألمانيا، إلا بقدر ما كانت عليه من فعالية، ولابد من تقييم هذه الفعالية.
علاوة على ذلك، وكما أشار أولي رين، وهو عضو في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، فإن الاتجاهات البنيوية الطويلة الأجل ــ مثل الشيخوخة السكانية، وانخفاض أسعار الفائدة الطويلة الأجل، وتغير المناخ ــ لابد أن توضع في الحسبان.
تستلزم فعالية سياسة البنك المركزي الأوروبي أن ينشد أعضاء مجلس الإدارة الأغنية نفسها. وهم يحتاجون إلى التوصل إلى فهم مشترك لأهداف أوروبا البعيدة الأمد ومواطن القوة ونقاط الضعف الكامنة في مختلف أدوات السياسة. ومن أجل تعزيز المساءلة ودعم اتخاذ القرار الذكي، ينبغي لهم أن يكونوا قادرين على توضيح تفاصيل استراتيجيتهم في إدارة السياسة النقدية على النحو الذي يستطيع عامة الناس فهمه واستيعابه.
ولكن كما هي الحال الآن، يَصعُب إيجاد هذا القدر من الوضوح، حتى عندما يتعلق الأمر ببعض العناصر الأكثر جوهرية في استراتيجية سياسة البنك المركزي الأوروبي. فالآن يُعَبَّر عن استقرار الأسعار ــ الهدف الأساسي للبنك المركزي الأوروبي ــ على أنه «التضخم الأقل من 2% لكنه قريب منها».
فهل يلبي التضخم بنسبة 1% هذا الشرط، أو أنه أقل مما ينبغي، مما يستلزم المزيد من تكييف وملاءمة السياسة النقدية؟ ربما نجد لدى الأعضاء المختلفين في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي إجابات مختلفة لهذا السؤال، وهذا يعني بالتالي أنهم يدعمون سياسات مختلفة.
ينطبق الأمر نفسه على التساؤلات حول ما إذا كان هدف التضخم الذي يتبناه البنك المركزي الأوروبي متساوقاً ــ مع تدخل السلطات عندما يكون التضخم أقل كثيراً مما ينبغي بالقوة نفسها التي تتدخل بها عندما يكون التضخم أعلى مما ينبغي ــ وما إذا كان من الواجب قياس التضخم بمرور الوقت أو في لحظة معينة. فإذا كان معدل التضخم في غضون فترة ما، يتراوح بين 0% إلى 4%، لكنه في المتوسط «أقل من 2% لكنه قريب منها»، فهل يتحقق الهدف بهذا؟
تنطوي الإجابة على عواقب سياسية كبرى. إذا قيس التضخم على مدى فترة من الزمن، فربما يقبل البنك المركزي الأوروبي، أو ربما حتى يستهدف، معدل تضخم أعلى بعض الشيء في الأمد المتوسط، للتعويض عن التضخم المنخفض بشكل مفرط في السنوات الأخيرة. إذا اعتقد عامة الناس أن فترة من التضخم الأعلى من الهدف باتت مرجحة، فسوف تهبط أسعار الفائدة الحقيقية المتوقعة، مما يؤدي إلى زعزعة الاقتصاد.
لا شك أن دراجي أثبت في خطاباته ومؤتمراته الصحافية أن هدف التضخم متساوق في اعتقاده؛ فالتضخم بنسبة 1% منخفض للغاية؛ ولابد أن يُقاس معدل التضخم في إطار «الأمد المتوسط». ولكن ليس من الواضح ما إذا كان هذا الرأي مشتركاً على نطاق واسع داخل مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي.
الواقع أن استهداف التضخم ليس المنطقة الوحيدة، حيث يعمل الغموض على إعاقة عملية صنع السياسات الفعّالة ويترك المشاركين في السوق حيارى حول ما يمكنهم توقعه.
كما تعمل خطة المعاملات النقدية المباشرة التي أجازها البنك المركزي الأوروبي ــ والتي بموجبها يَعِد البنك المركزي الأوروبي بشراء السندات التي تصدرها بلدان منطقة اليورو في أسواق السندات السيادية الثانوية ــ على توليد حالة من عدم اليقين الشديد.
كانت خطة المعاملات النقدية المباشرة ــ أداة دراجي المختارة للوفاء بتعهده في عام 2012 بالقيام «بكل ما يلزم للحفاظ على اليورو»، مثيرة للجدال منذ لحظة الإعلان عنها، حيث شن ضدها رئيس البنك المركزي الألماني ينس وايدمان ــ أحد منافسي لاجارد الرئيسيين على رئاسة البنك المركزي الأوروبي ــ حملة شرسة على الملأ. ل
كن هذا كان قبل سبع سنوات، ولم تستخدم خطة المعاملات النقدية المباشرة على الإطلاق. فهل لا يزال مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي ملتزماً بها؟ أو أن الأحداث التي وقعت في السنوات القليلة الأخيرة ــ والتغييرات الطارئة على عضوية مجلس المحافظين ــ جعلت ذلك الالتزام مهجوراً؟
مع استمرار ارتفاع الدين العام في اليونان وإيطاليا إلى حد مفرط، وحيث لا تزال منطقة اليورو عُرضة لخطر الانزلاق إلى الركود الذي من شأنه أن يزيد إلى حد كبير من تدهور الأوضاع المالية في كلا البلدين، وحيث لا تزال السياسة الإيطالية متقلبة كعهدها دائماً، فمن المفيد للغاية أن نجد إجابات شافية. الواقع أن المراجعة من ذلك النوع الذي يطالب به أولي رين من شأنها أن تقدم الإجابات المطلوبة ــ وأن تعمل على جعل البنك المركزي الأوروبي في موقف أكثر صحة لعصر جديد من القيادة.
ستيفن جيرلاخ - كبير خبراء الاقتصاد في بنك EFG Bank في زيوريخ، ونائب محافظ بنك أيرلندا المركزي سابقاً. كما شغل سابقاً منصب المدير التنفيذي وكبير خبراء الاقتصاد لدى هيئة السلطة النقدية في هونغ كونغ، ومنصب أمين لجنة النظام المالي العالمي في بنك التسويات الدولية.

