فرضت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية غرامات على شركات عدة لتهربها من الرسوم التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على الواردات من الصين بتحويل مسار تلك الواردات عبر منطقة سيهانوكفيل الاقتصادية الخاصة في كمبوديا، ما يبرز حجم التهديد الذي تشكّله كمبوديا، التي تعد بمثابة مستعمرة صينية منقادة فاسدة، على إنفاذ رسوم ترامب الجمركية، والمصالح الأمريكية في المنطقة على نطاق أوسع.
تعد الصين أكبر متبرع بالمساعدات لكمبوديا وأكبر مستثمر بها ودائن لها، فيما تمثل سيهانوكفيل ــ الميناء البحري العميق الوحيد بكمبوديا الذي يستأثر بـ70% من حركة التجارة بالبلاد ــ أول حلقة وصل في سلسلة مشروع الاستثمار في البنى التحتية العابر للقارات الذي تتبناه الصين، والمعروف بمبادرة الحزام والطريق.
لكن بعيداً عن أمل الثراء المنتظر من استثمارات مبادرة الحزام والطريق، فإن هذه الاستثمارات تسحق كمبوديا وتدمرها.
تشتري الشركات الصينية العاملة في منطقة سيهانوكفيل الاقتصادية الخاصة وتبيع من بعضها البعض، ما يعني أن السكان المحليين لا يرون ولا يصيبون شيئاً من الثروة التي يجلبونها إلى كمبوديا.
بل على العكس، نجد الظروف المعيشية للكمبوديين في سيهانوكفيل في تدهور متسارع رغم النمو السريع الذي تشهده، بسبب عدم التخطيط الفعال لاستخدام الأراضي أو الاستثمار المركز على المجتمعات المحلية.
ففي الشهر الماضي، شهدت المدينة انهيار مبنى صيني الملكية مكوّن من 7 طوابق، ما أسفر عن مقتل 18 شخصاً، بينما لا يزال هناك مفقودون.
وفي نهاية مايو، أُجبر فندق ونادٍ للقمار مملوكان لصينيين على الإغلاق بعدما اكتشفت جماعة الطبيعة الأم لحماية البيئة في كمبوديا أن المبنى كان يضخ مياه مجارٍ غير معالجة في البحر عمداً. ويتنبأ خبراء التخطيط الحضاري أن يصل عدد سكان مدينة سيهانوكفيل إلى مليون شخص خلال 30 عاماً، وأن تصير مدينة فاشلة.
أرى أن قدرة كمبوديا على تغيير مصيرها محدودة. فهي، ككثير من البلدان الصغيرة في منطقتها، محاصرة بضغوط أسعار الفائدة الفاحشة، والممارسات السلبية الضارة المتعلقة بالاقتراض، والعقود المبهمة التي تميز نهج «الاستعمار الجديد» الذي تتبعه الصين.
في واقع الأمر، نجد أن كثيراً من شركات الإنشاء في كمبوديا التي تصبّ المال في العقارات ونوادي القمار، مرتبطة بالمافيا وعصابات الثالوث. وقد وصل دين كمبوديا الآن لمستويات عالية للغاية، شأنها شأن أي ضحية للاقتراض بفوائد فاحشة، حتى بات الانصياع لمطالب الصين السياسية والدبلوماسية الخيار الأوحد لها.
لكن هذا لا يعني أن حكومة كمبوديا ضحية وبعيدة عن اللوم. فوقفاً لمشروع العدالة العالمي، جاءت كمبوديا في المرتبة 125، من بين 126 دولة، في ما يتصل بالالتزام بحكم القانون، وجاءت في المركز 161، من بين 180 دولة ومقاطعة، على مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية.
فضلاً عن ذلك، وضع مؤشر مكافحة غسل الأموال لعام 2018 كمبوديا في المركز السابع بقائمة أخطر البلاد من بين 129 دولة، لتكون أسوأ من نيكاراغوا وباكستان واليمن. ويوضح التقرير أن ارتفاع مخاطر غسل الأموال مرتبط ارتباطاً قوياً بضعف المؤسسات العامة، وغياب الحقوق السياسية وحكم القانون، وفرض قيود على حرية الصحافة.
في فبراير الماضي، كررت مجموعة العمل المالي، وهي الهيئة العالمية المعنية بمراقبة أنشطة غسل الأموال، هذا التقييم، لتعيد كمبوديا إلى قائمة المراقبة «الرمادية» بعد أربعة أعوام فقط من شطبها منها.
وأشارت مجموعة العمل المالي في تقرير لها إلى أن الدولة استخدمت الاستخبارات المالية في أضيق الحدود للتحري عن أنشطة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ونتيجة لذلك، لم تشهد ساحات المحاكم في كمبوديا نظر أي قضية متعلقة بغسل الأموال.
ولا يُنتظر تغير هذا الوضع في أي وقت في القريب العاجل. فقد أضحت كمبوديا، تحت قيادة رئيس الوزراء هون سين، ملاذا للشركات المتلهفة للتحايل على القوانين ــ خاصة تلك القوانين المفروضة من جانب الولايات المتحدة ــ التي تهدد دخلها الصافي.
ففي عام 2017 على سبيل المثال، وجدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية «أدلة دامغة» على تصدير شركة «سيكا نيوتريشن» جلايسين صيني المنشأ، وهو مركب كيميائي يُستخدم في الأغذية والمستحضرات الدوائية، عبر كمبوديا للتهرب من رسوم مكافحة الإغراق.
لم تكن هذه حالة وحيدة أو فريدة. ففي عام 2018، قامت شركة الأمن الأمريكية الخاصة أكاديمي (المعروفة سابقاً باسم بلاك ووتر)، التي وافقت في عام 2010 على دفع غرامة قدرها 42 مليون دولار لانتهاكها قوانين التصدير الأمريكية، بتحديد كمبوديا كهدف لاستثمارات مبادرة الحزام والطريق.
وجاء إنكار منطقة سيهانوكفيل الاقتصادية الخاصة مؤخرا لقيام الولايات المتحدة بتغريم أي شركة عاملة فيها ليعزز الشكوك بشأن عزم حكومة هون سين مواصلة تجاهلها للأمر.
ربما راق هذا الأمر لقلة فاسدة، لكنه يضر كمبوديا، إذ يهدد سجل كمبوديا المتدهور في الديمقراطية وحقوق الإنسان بالفعل وصولها المعفي من التعريفة الجمركية لسوق الاتحاد الأوروبي، الذي أتاحته الكتلة الأوربية لها من خلال نظامها التجاري «كل شيء عدا السلاح».
كما أن كمبوديا في غنى عن المخاطرة بالتعرض لأي انتقام اقتصادي جراء مساعدتها الشركات الصينية على التهرب من الرسوم الأمريكية. ولكن يبدو أن هذا ما تخطط له حكومة هون سين تحديداً.
يتحتم على كمبوديا ــ إذا أرادت استعادة مصداقيتها ــ العودة للمسار الديمقراطي الذي رسمته اتفاقية السلام الشامل في كمبوديا عام 1991، ببناء مؤسسات محلية قوية تمتاز بالشفافية والقدرة على مراقبة تدفقات السلع والأموال عبر الدولة بشكل موثوق.
لكن للأسف، ليس هناك من الأسباب ما يكفي ليجعلنا نعتقد بأن هون سين قد يتبنى هذا النهج. وهذا أمر لا يبشر بقدرة أمريكا على فرض رسومها التجارية ضد الصين ــ أو بمستقبل طيب لكمبوديا.

