في وقت سابق من هذا العام، زعمت أن العجز المالي الأكبر ربما يكون مطلوباً في الدول، حيث أسعار الفائدة منخفضة للغاية، وحيث يعتبر المستثمرون الدين العام آمناً ــ مما يجعله أقل تكلفة من الناحيتين المالية والاقتصادية ــ للتعويض عن قيود السياسة النقدية. والآن، وصلت منطقة اليورو إلى هذه المرحلة.بعد اندلاع الأزمة المالية في عام 2008 وأزمة اليورو التي تلتها، أدت السياسة النقدية دوراً أساسياً في تثبيت الاستقرار وتجديد نشاط منطقة اليورو. وقد تطلب الأمر البرغماتية والإبداع والموهبة السياسية من جانب رئيس البنك المركزي ماريو دراجي لإنجاز هذا العمل الفذ، ولكن برغم أن وقود السياسة النقدية لم ينفد بعد، لا يجوز لنا أن ننتظر منها أن تضطلع بالدور نفسه مرة أخرى.

على النقيض من هذا، لم تكن السياسة المالية، وهي المكون الرئيس الآخر في إدارة الاقتصاد الكلي السليمة على طريقة جون ماينارد كينز، مستخدمة بالقدر الكافي كأداة دورية، ونتيجة لهذا لا يزال ناتج منطقة اليورو عند مستوى أقل من مستواه المحتمل، وهي مشكلة ملحة ولا يمكن حلها من قِبَل أي دولة بمفردها، بل يتطلب حلها استجابة منسقة على مستوى منطقة اليورو. ولكن برغم أن الحاجة إلى ميزانية مشتركة لمنطقة اليورو يمكن سحب الإنفاق الإضافي منها أصبحت الآن أكثر إلحاحاً مما كانت عليه في الماضي، فإن هذا يستلزم تقاسم المخاطر بين الدول الأعضاء، وهي مسألة صعبة من الناحية السياسية.

ولكن يظل بوسع منطقة اليورو أن تتخذ تدابير أخرى، بدءاً بتغيير القاعدة المالية. فمع انخفاض أسعار الفائدة إلى حد كبير، لا يصبح الحد الأقصى 60% من الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي الهدف الصحيح (إذا كان ذلك وارداً على الإطلاق)، فهو لا يجب أن يكون أعلى من ذلك فحسب، بل يجب أيضاً تخفيف الشرط المتمثل في إلزام الدول الأعضاء التي تتجاوز الحد بالتعديل للعودة إليه بسرعة معينة. علاوة على ذلك، ولأن حيز المناورة المتاح لصناع السياسات النقدية ضئيل، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يمنح الحكومات قدراً أكبر من الحرية لتحفيز الطلب من خلال السياسة المالية. وهذا يعني أيضاً تخفيف حد الـ3% من الناتج المحلي الإجمالي للعجز المالي.

من المؤكد أن الحكومات لا ينبغي لها أن تتصرف كما يحلو لها، ولكن لا ينبغي أيضاً أن تكون أياديها مقيدة بإحكام شديد. إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى فلسفة جديدة لوضع القواعد. وقد قطعت منطقة اليورو شوطاً طويلاً في تكديس القيود، على افتراض أن الحكومات سوف تسيء التصرف دائماً أو تحاول الغش، وتأتي النتيجة في بعض الأحيان غير مفهومة.

كخطوة أولى، ينبغي للمفوضية الأوروبية أن تتوقف عن الإدارة الجزئية التفصيلية للسياسات المالية التي تنتهجها الدول الأعضاء. لا ينبغي للمفوضية أن تتدخل إلا عندما تكون إحدى الحكومات على المسار نحو تكديس ديون غير مستدامة حقاً (وهو ما قد يحدث بكل تأكد تحت قيادة غير مسؤولة). خلافاً لذلك، لا بد أن تكون المهمة الرئيسة للمفوضية توفير المعلومات للأسواق عن صحة اقتصاد الدول الأعضاء ومسارات ديونها المحتملة.

بهذه الطريقة، يكون القرار للأسواق. ففي نهاية المطاف، أعين المستثمرين هي التي ترى الحيز المالي. فاليابان تتحمل ديناً عاماً ضخماً، ولكن لا يبدو أن المستثمرين قلقون، أما إيطاليا، حيث يطالب المستثمرون الآن بعلاوة مخاطر كبيرة، فهي مسألة أخرى. وعلى هذا، فإن التحدي الذي يواجه أياً من الدول الأعضاء لم يعد إرضاء المفوضية، بل إقناع المستثمرين بأنها تتعامل مع الديون بمسؤولية.

كخطوة ثانية، يتعين على منطقة اليورو أن تعمل على تحسين تنسيق سياساتها المالية والنقدية. (في الواقع، كانت دائماً في احتياج إلى القيام بهذا؛ لكن الأمر أصبح ملحاً بشكل خاص الآن). عند هذه المرحلة، لا يمكن للسياسة النقدية أن تقوم بهذه المهمة بمفردها. ويجب أن يتخذ التحفيز هيئة التوسع المالي لتعويض ما لا يستطيع البنك المركزي الأوروبي توفيره. ومع ذلك، لا يوجد لدى أي دولة الحافز للقيام بذلك من تلقاء ذاتها، لأن جزءاً من أي توسع مالي سيضيع حتماً بسبب تأثيرات جانبية في هيئة واردات متزايدة، في ظل التكامل العميق بين الدول الأعضاء.

المطلوب إذن هو إما أداة تنسيق تلتزم كل دولة بموجبها بتوسع مالي أكبر وذاتي التمويل، أو الأفضل من ذلك (لكنه أكثر إثارة للجدال) ميزانية مشتركة بتمويل من سندات اليورو، التي يمكن بعد ذلك استخدامها لتمويل زيادة الإنفاق في كل دولة، عند الحاجة.

الواقع أن الرهانات عالية. وبدون قيود أعلى على الدين والتنسيق الأفضل ــ من خلال آلية جديدة أو ميزانية مشتركة ــ ستظل السياسة المالية محكمة للغاية، والنشاط الاقتصادي منخفضاً للغاية، ويظل خطر ظهور الشعبويين الذين يقدمون حلولاً تبسيطية مرتفعاً للغاية، وهذا هو آخر ما تحتاج إليه منطقة اليورو.

*أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وكبير زملاء معهد برينستون للاقتصاد الدولي

opinion@albayan.ae