إن أسعار الفائدة في البنوك المركزية للدول المتقدمة لاتزال عالقة ضمن مستويات منخفضة بشكل غير مريح، وهذا ليس شيئاً مؤقتاً حيث توجد أدلة متزايدة على أن هذا الوضع الغريب من المرجح أن يستمر ولايزال التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان غير قادر على تحقيق الأهداف الرسمية. إن تدابير سعر الفائدة «الطبيعي» التي تتفق مع الظروف الاقتصادية العادية تتجه نحو الانخفاض منذ سنوات.

إن تقديرات السعر الطبيعي للولايات المتحدة الأمريكية هي حالياً في حدود 2،25%-2،5% أي بعبارة أخرى يتوافق مع سعر الفائدة للاحتياطي الفيدرالي وهذا يعني أن الاحتياطي الفيدرالي ليس لديه مجال للتشديد بدون الفشل في تحقيق هدفه المتعلق بالتضخم وتعريض النمو الاقتصادي للخطر وهذا الطرح ينطبق بشكل أكبر على البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان.

إن هذا السقف المتعلق بالمستوى الممكن من أسعار الفائدة يعني أنه عندما يضرب الركود القادم فإن البنوك المركزية لديها مجال محدود لتخفيضها وفي واقع الأمر فإن بعض الأعضاء المبدعين من العاملين في البنوك المركزية قد بدأوا بتجربة أسعار الفائدة السلبية ولكن التمحيص والبحث يوحي بإن الأسعار السلبية تؤثر بشكل معاكس على ربحية البنوك التجارية وتضعف القطاع المصرفي علماً أن البنوك المركزية التي تتجنب المخاطر ستكون مترددة في تكرار مثل تلك التجارب.

وهكذا عندما يضرب الركود مجدداً فإن البنوك المركزية ستجد نفسها مضطرة مجدداً للجوء إلى التخفيف الكمي. إن التخفيف الكمي سيؤدي إلى احتجاجات واسعة من منتقدي الجولات السابقة من التخفيف الكمي والذين حذروا أن البنوك المركزية تتجاوز صلاحياتها. لقد اشتكى المنتقدون أنه من خلال شراء أوراق مالية مدعومة برهن وسندات تجارية فإن البنوك المركزية تشوه الأسواق المالية. إن البنوك المركزية بانخراطها في عمليات تمديد الاستحقاق، فإنها تدمر المحتوى المعلوماتي لمنحنى العائد. إن قيام البنوك المركزية بتوسيع ميزانياتها العمومية يعني أنها تعرض نفسها لمخاطر خسارة رؤوس الأموال.

لقد أثار السياسيون الغاضبون تساؤلات عن ما إذا كان بالإمكان إن نثق بالبنوك المركزية لتنفيذ هذا النطاق الموسع من التعاملات المالية بدون «مراقبة مسؤولة» من ممثلي الشعب أي السياسيين أنفسهم. لقد كان واضحاً كما الليل يتبع النهار أن استقلالية البنوك المركزية تتعرض لهجمات معادية متزايدة.

إن الدروس المستفادة بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بالأهمية الكبرى لاستقلالية البنوك المركزية أنه كان يجب تجنب التخفيف الكمي في المرة الماضية ومن الأفضل تجنبه في المستقبل لأنه يفتح الباب للتدخل السياسي في كيفية إدارة السياسة النقدية.

لكن يتوجب على معارضي التخفيف الكمي أن ينظروا للبديل فلولا هذا الدعم من البنوك المركزية في الدول المتقدمة لاحقا للازمة المالية العالمية، لكان حصل انكماش كبير ولكانت فترة الركود التي حصلت بعد الأزمة أكثر شدة فماذا كان النقاد سيقولون في تلك الحالة ؟ يبدو أنه من غير المرجح أن استقلالية البنوك المركزية كانت ستنجو من الاتهام وهو اتهام مبرر في ذلك الوقت بإن صناع السياسة النقدية كانوا غافلين عن ما كان يجري.

إن الانتقاد الآخر للتخفيف الكمي وهو اتهام سائد في أوروبا بآنه يخلق مخاطر معنوية للحكومات. إن شراء البنوك المركزية للأوراق المالية الحكومية بشكل مصطنع يخفض تكلفة الاقتراض وفي الأحوال العادية فإن الحكومات التي تصدر الدين الإضافي ترى أن تكلفة الاقتراض ترتفع مما لا يشجعها على المبالغة في ذلك وعلى وجه الخصوص فإن انضباط السوق على شكل أسعار فائدة أعلى سوف يجعل حكومات مثل إيطاليا والتي ترغب في زيادة العجز في الإنفاق تفكر مجدداً ولكن الأمور تختلف عندما تتصرف البنوك المركزية كحل أخير وتشتري السندات وتكون مستعدة لشراء الأوراق المالية الحكومية بدون حدود وفي مثل تلك الظروف فإن انضباط السوق سيكون بدون فاعلية.

إن القادة الذين يميلون لتجاهل قيود الميزانية وتقديم وعود بتحويلات كبيرة من الأموال إلى ناخبيهم سيكون لديهم في تلك الحالة مساحة أكبر للمناورة حيث سيشهد الاقتصاد ارتفاعاً خادعاً بشكل مباشر نتيجة للإنفاق العام الإضافي مما يعزز الدعم للقادة السياسيين الحاليين ولكن وكما لاحظ الاقتصادي الأمريكي هيربرت شتاين في إحدى المناسبات بإن الشيء الذي لا يمكن إن يستمر للأبد لن يتمكن من الاستمرار في نهاية المطاف وعلى المدى الطويل إما العجز عن سداد الديون أو تسييل الديون والتضخم هي النتيجة الحتمية لهذا التبذير الشعبوي.

إن من الواضح أن من الأفضل للبنوك المركزية أن تقاوم صفارات الإنذار المتعلقة بالتخفيف الكمي حيث ستكون الحكومات في تلك الحالة تحت ضغوطات لتعيش حسب مستواها ولو أراد القادة الشعبويون على الرغم من ذلك تطبيق السياسات المالية غير المسؤولة الخاصة بهم فإن الأسواق المالية سوف تحاسبهم. لو قام المستثمرون بالبيع بشكل كبير بدون أن يتمكن الشعبويون من عمل أي شيء فإن الدعم السياسي لهم سينهار.

لكن مرة أخرى يجب على المرء أن ينظر للبديل. لو تخلت البنوك المركزية عن التخفيف الكمي عند حصول الانكماش القادم فإن الانهيار المتعلق بالناتج سيكون أكثر حدة. إن السياسيين الشعبويين الذين يجادلون بأن قادة التيارات الرئيسية والأشخاص الذين تم تعيينهم من قبلهم غير مؤتمنين على الاقتصاد سيكون لديهم أدلة أكثر مع القدرة على إثارة المزيد من الغضب عندما يبدأون حملاتهم للوصول إلى المناصب الرئيسية ومع تولي الشعبويين رئاسة المزيد من الحكومات فإن عجز الميزانية سيكون أكبر وليس أصغر وستزيد حالة عدم الاستقرار عوضاً عن أن تنخفض.

إن منتقدي التخفيف الكمي محقون في التحذير من العواقب غير المقصودة ولكن نبذ التخفيف الكمي قد يكون له عواقب غير مقصودة، ويجب على المنتقدين أن يكونوا حذرين فيما يتعلق برغباتهم وأهدافهم.

 

* أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا، بيركلي. آخر كتبه «الإغراء الشعبوي: المظالم الاقتصادية وردة الفعل السياسية في العصر الحديث»

opinion@albayan.ae