لقد تعهد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سنة 2015 بالانتقال من «المليارات إلى التريليونات» لتلبية الاحتياجات الاستثمارية لأهداف التنمية المستدامة، ولقد أدرك الجميع أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص تلعب دوراً حيوياً في الاستفادة القصوى من المساعدات الدولية، والآن يجب أن نحوّل الأقوال إلى أفعال ما لم نرد أن نخلف وعداً آخر من وعود التنمية.

لو استطعنا تعليم جيل كامل من الأطفال، سنكون قد صنعنا تاريخاً مجيداً، ولقد حان الوقت لنبدأ العمل. إن الانخفاض المستمر في المساعدات التعليمية العالمية يحرم نصف الشباب في العالم النامي- نحو 800 مليون طفل- من التعليم الذي سيحتاجونه من أجل تأمين وظائف مستقبلية جوهرية في المستقبل.
لقد انخفض إجمالي مساعدات التعليم من 13.2 مليار دولار أمريكي إلى 13 مليار دولار أمريكي هذا العام (من المصادر الثنائية والمتعددة الأطراف) ما يعني أن تلك المساعدات تشكل فقط 7% من إجمالي ميزانية المساعدات العالمية، وهذا يعني أن كل المساعدات التنموية في العالم لا تساوي أكثر من 10 دولارات أمريكية لكل طفل محتاج، وهو مبلغ لا يكفي حتى لدفع قيمة كتب مدرسية مستعملة.
إن معدل مستوى التعليم في العالم النامي لا يزال يتخلف عن الغرب بمقدار 100 عام، وفي أفريقيا فإن الإنفاق السنوي على المدارس هو 200 دولار أمريكي بالمعدل لكل طفل، بينما تنفق الاقتصادات المتقدمة 40 ضعفاً لذلك الرقم أي 9500 دولار أمريكي لكل فرد.
وبينما التزم المجتمع الدولي بتحقيق التعليم الابتدائي والثانوي بحلول سنة 2030 فإن 200 مليون طفل على أقل تقدير سيبقون خارج المدرسة كل عام من الآن وحتى يحين ذلك الوقت، و400 مليون آخرين لن يجتازوا المرحلة الابتدائية.
وبينما يبدو أن الدول الأفريقية والآسيوية لديها أعداد كبيرة من العمالة، إلا أن نقص المهارات لدى تلك العمالة نتيجة للتمويل غير الكافي لقطاع التعليم يعني أن تلك الدول لن تستطيع اجتذاب الاستثمارات اللازمة من أجل السعي لمزيد من التنمية.
أما على المستوى العالمي فإن حصة إجمالي المساعدات المخصصة للتعليم قد انخفضت بشكل مطرد من ذروتها سنة 2007 والتي وصلت إلى 11%، وعلى الرغم من أنه من المعروف على نطاق واسع أن التعليم هو من أفضل الوسائل فعالية لتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بالنسبة للصحة والتوظيف وجودة الحياة، فقد أعلن الاتحاد الأوروبي أخيراً أنه سوف يخصص 10% من مساعداته الإنسانية للتعليم.
حيث نرحب بذلك الإعلان، وإن كانت تلك النسبة غير كافية. صحيح أن المجتمع الدولي قد حقق بعض النجاحات النسبية مثل توفير مقاعد مدرسية لنحو 60% من اللاجئين السوريين ولكن الحقيقة لا تزال هي أن نسبة كبيرة من الأطفال المشردين في العالم والذين يصل عددهم إلى 30 مليوناً -12 مليوناً منهم من اللاجئين ــ سيقضون السنوات التي من المفترض أن تكون سنوات دراسية من دون أن تطأ أقدامهم المدرسة.
إن هناك 75 مليون طفل محرومون من التعليم وإمكانية التوظيف مستقبلاً في 36 منطقة صراع في جميع أرجاء العالم. إن من الواضح أنه يجب علينا زيادة المساعدات الدولية المخصصة للتعليم، ولكن مع وجود عجز في التمويل السنوي يصل إلى 40 مليار دولار أمريكي بالنسبة للتعليم الابتدائي والثانوي فقط، فإن من الواضح أننا بحاجة إلى مقاربة جديدة، فبالإضافة إلى حشد مصادر التمويل الخاصة، فإنه يجب علينا الاستفادة بشكل أكبر بكثير من المساعدات المتوفرة (هذا العام 13 مليار دولار أمريكي) مقارنة بالأعوام الماضية، وذلك من خلال خلق حوافز للحكومات المتلقية للمساعدات لزيادة استثماراتها في التعليم.
لحسن الحظ خلال العام الماضي تم إنشاء مجموعة متنوعة من الصناديق المهتمة بالبيئة والشؤون الاجتماعية والحوكمة وأهداف التنمية المستدامة، وذلك لتلبية الطلب المتنامي على الاستثمارات المبنية على أساس التأثير الاجتماعي، ففي الهند أصبح أصحاب العمل مطالبين، طبقاً للقانون، بتخصيص 2% من أرباحهم للقضايا الخيرية.
وعلى مستوى العالم فإن الشركات تخضع لضغوط من أجل تقديم حسابات تأخذ بعين الاعتبار التأثير الاجتماعي والتأثير على البيئة. إن أولئك المهتمين بالمساعدات التعليمية أصبحوا يتبنون كذلك التمويل المبتكر بعد أن كانوا متكاسلين في هذا الخصوص.
ومن أهم الأدوات التمويلية الجديدة تسهيلات التمويل العالمية للتعليم، وذلك من مفوضية التعليم، علماً بأنه سيتم تدشين تلك التسهيلات في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل ومع وجود خطط لجمع مبلغ 10 مليارات دولار أمريكي إضافي لتمويل التعليم.
فإن تسهيلات التمويل العالمية للتعليم مصممة على أساس تجربتين للشراكة بين القطاعين الخاص والعام أثبتتا نجاعتهما في السنوات الأخيرة. إن الأولى هي تسهيلات التمويل العالمية للتطعيم، والتي منذ انطلاقتها سنة 2006 جمعت أكثر من 6 مليارات دولار أمريكي من خلال إصدار سندات سوق رأس المال.
والتي يتم سدادها لفترة 30 سنة مع تعهدات ماليه من أستراليا والبرازيل وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنرويج وجنوب أفريقيا وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة. إن تسهيلات التمويل العالمية للتطعيم والتي جمعت أموالاً لجافي «تحالف اللقاحات» قد ساعدت بالفعل على تطعيم 700 مليون طفل ما أنقذ حياة نحو 5 ملايين طفل.
إن المصدر الثاني للإلهام بالنسبة لتسهيلات التمويل العالمية للتعليم هو نموذج تسهيلات «التزام الأسواق المتقدمة» من أجل توفير أدوية جديدة في الأسواق علماً بأنه من خلال مبلغ 1.5 مليار دولار أمريكي عن طريق تسهيلات التزام الأسواق المتقدمة للقاحات المكورات الرئوية فإن جافي- مع البنك الدولي وغيره من المؤسسات متعددة الأطراف والدول المانحة ومؤسسة بيل وميلندا جيتس- ساعدت في تطعيم 49 مليون طفل، ما أنقذ حياة ربع مليون طفل تحت سن الخامسة كانوا معرضين للوفاة من الالتهاب الرئوي.
إن تسهيلات التمويل العالمية للتعليم مصممة من خلال شراكة مشابهة بين القطاعين الخاص والعام لوقف الطبيعة المتقطعة لتدفقات المساعدات المخصصة للتعليم، وعوضاً عن الاعتماد على حنفية تمويل يتم إيقافها بين الحين والآخر، فإن تسهيلات التمويل العالمية للتعليم ستتحقق من وجود تمويل مستمر ومستقر للتعليم.
وذلك للأطفال من سن الخامسة وحتى السادسة عشرة، ومع وجود تعهدات بدفع مبلغ 2 مليار دولار أمريكي من تحالف الحكومات الملتزمة، فإن بإمكان البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية المختلفة المساعدة في جمع أربعة أضعاف ذلك التمويل.
وذلك من خلال أسواق رأس المال، علماً بأنه من خلال إنشاء تسهيلات بقيمة 2 مليار دولار أمريكي من أجل تخفيض تكلفة الفوائد على الدفعات، فإن بإمكانهم كذلك توفير مبلغ 10 مليارات دولار أمريكي إضافية لمساعدات التعليم ما يعني مضاعفة المستوى الحالي.
* رئيس وزراء ووزير مالية سابق في المملكة المتحدة والمبعوث الخاص للأمم المتحدة للتعليم العالمي ورئيس المفوضية العالمية لتمويل فرص التعليم العالمية، كما يترأس المجلس الاستشاري لمؤسسة «ذا كاتاليست».
