بات تنظيم الأسرة وعدد الأبناء، حاجة ملحة في الكثير من دول عالمنا، ويؤكد مؤيدو تنظيم الأسرة أهمية اتباع سياسة تراعي الثقافات المتنوعة وتقنع المجتمعات بالترحيب بالقضية، خاصة، عبر دعم توجهات ومشروعات تنظيم النسل.

ويبين هؤلاء أننا نحتاج برنامجاً تربوياً ومنهجاً مجتمعياً شاملاً، تشترك فيه شتى الجهات.وسيتطلب تصميم مثل هذا النهج الشامل، من بين أشياء أخرى، صورة واضحة للاحتياجات والتصورات العامة. ولا يمكن لأي سياسة أن تنجح في هذا الخصوص، دون مشاركة أكبر للرجل.

إن تنظيم الأسرة الفعال ضروري لمستقبل مستقر يتمتع فيه الناس بصحة جيدة وبرفاهية. ولقد حققت إندونيسيا تقدماً ملحوظاً في هذا الخصوص. ولكن لتحقيق هذا الهدف، يجب إشراك الجميع.

وتعد إندونيسيا، التي يبلغ عدد سكانها 246 مليون نسمة، رابع بلد في العالم من حيث كثافة السكان. وتعد عاصمتها، جاكارتا، ثاني أكثر المناطق الحضرية اكتظاظاً بالسكان على وجه الأرض. ومن أجل اقتصادها وصحتها الاجتماعية على المدى الطويل، ينبغي أن تنظيم الأسرة ونمو السكان الأولوية المهمة، وهو ما تفعله الحكومة ببرامج نوعية ودقيقة.

وكان قد قال الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو (المعروف بجوكوي) في عام 2016، «إن تنظيم الأسرة هو مفتاح نجاح الأجيال القادمة». إن برنامج إندونيسيا للتخطيط الأسري يعد نموذجاً بارزاً في عالمنا ومن بين أكثر البرامج نجاعة في التاريخ.

إن هذه المسألة حاجة وضرورة عالمية، وليس فقط في إندونيسيا. إذ يؤدي انخفاض النمو الديمغرافي إلى ارتفاع نصيب الفرد من الناتج الوطني الإجمالي، وارتفاع الأجور، والمدخرات، والاستثمار؛ بينما قد يعزز النمو الديمغرافي المرتفع حلقة عقبات متوارثة من جيل إلى جيل، حيث غالبا ما يحرم الشباب في الأسر الكبيرة من الحصول على المؤهلات والأدوات والفرص التي يحتاجونها لتطوير مستقبلهم.

وفي عام 1970، أسست اللجنة الوطنية الإندونيسية للسكان وتنظيم الأسرة لمعالجة المشكل. وكان لديها هدف محدد: خلق «أسرة صغيرة مرفهة».

وفي البداية حققت جهود اللجنة الوطنية الإندونيسية للسكان وتنظيم الأسرة نتائج مبهرة. ومع حلول عام 2000، أي بعد 30 عاما من العمل الهادف، تراجع معدل الخصوبة بنسبة 54%، من 5.6 ولادات لكل امرأة إلى 2.6، وهذا ما جعل برنامج إندونيسيا للتخطيط الأسري من بين أكثر البرامج نجاعة في التاريخ.

لكن التقدم في هذا المجال توقف قبل أن تحقق إندونيسيا هدفها الكامن في تحقيق معدل 2.1 في مستوى الإحلال في الخصوبة في الفترة ما بين 2010 و2015. ووفقاً للأمم المتحدة، بلغ معدل الخصوبة في إندونيسيا 2.45 في عام 2015.

وتضع اللجنة الوطنية الإندونيسية للسكان وتنظيم الأسرة أمام أعينها، الآن، تحقيق هدف مستوى الإحلال في الخصوبة مع حلول علم 2025. وهذا هدف ممكن، وقد يمكن إندونيسيا من تحقيق هدفها الكمي الثاني- تحقيق استقرار النمو السكاني مع حلول عام 2050- الذي وضعته في برنامجها. لكن هذا يعني تحديد العقبات الكبرى أمام النجاح، ووضع استراتيجية للتغلب عليها، عن طريق الاسترشاد بالنجاحات السابقة.

وإحدى هذه العقبات سببها اجراءات تغفل كون تنظيم الأسرة أولوية، ما يعوق الجهود التي تبذلها الحكومة المركزية، بدون مشاركة ملتزمة من 511 منطقة ذاتية الحكم في إندونيسيا.

ومع أن جهوداً تبذل لزيادة الوعي بالأهمية الكبرى لتنظيم الأسرة، وجعل هذا الأخير أولوية في برنامج السلطات على الصعيد دون الوطني، فهذه الخطوة الأولى فقط. إذ ينبغي على المعنيين على جميع المستويات التعاون بطريقة أكثر فعالية مع المجتمعات المحلية. وفي الواقع، كان التواصل على نطاق واسع وإشراك المجتمعات المحلية على المستوى القروي السبب الرئيسي وراء نجاح الجهود التي بذلتها إندونيسيا سابقاً في مجال تنظيم الأسرة.

وفي ذروته، ضم برنامج اندونيسيا للسكان وتنظيم الأسرة على المستوى القروي ما يناهز 40000 عامل ميداني وأكثر من 100000 متطوع، وكان هؤلاء يقدمون خدمات للمجتمعات الأنأى. وكانوا يقومون بزيارات منزلية للتحدث عن وسائل تنظيم الأسرة، وتقديم استشارات، والإحالة إلى مراكز الصحة المجتمعية.

ووافق ويدودو على إحياء هذه الجهود عن طريق الاستثمار في برنامج كامبانغ كي بي (Kampugn KB)، وهو برنامج يهدف إلى التحسين من مستوى عيش المجتمعات القروية وجودة الحياة عن طريق توسيع نطاق الاجراءات الكفيلة بالنجاح في السيطرة على الخصوبة والولادات، وتقديم خدمات مجانية، وتقديم برامج التوعية عن طريق الأقران.

وتغلبت برامج تنظيم الأسرة السابقة إلى حد ما على عائق معاناة المرأة في ظل هذه الجهود، عن طريق التركيز على ملاءمة جهودها للمعايير الثقافية والدينية والاجتماعية.

وبسبب هذه الحساسية، لم يكتف القادة الدينيون بقبول الحاجة إلى تحسين تنظيم الأسرة ؛ بل ألقوا خطباً بشأن ذلك، وقدموا معلومات ذات صلة للتجمعات الخاصة بهم. وفضلاً عن هذا، أدرجت المدارس المواضيع المتعلقة بالنمو الديمغرافي في مناهجها الدراسية. وانتشر شعار «دوا أناك كوكاب» (طفلين اثنين يكفيان) في كل مكان.