في السنوات الأخيرة، أصبحت صور الشبان الأفريقيين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا، وأحيانًا عبر أكثر الطرق جرأة ويأسًا، تتصدر قنوات الأخبار العالمية والوطنية. لقد جادل السياسيون الساخرون في أوروبا والولايات المتحدة، من أجل الفوز بعدد أكبر من الأصوات، أن هؤلاء المهاجرين (الذكور إلى حد كبير) «يغزون» بلادهم، ويهددون بسرقة وظائف السكان المحليين، أو ما هو أسوأ.

لا شيء يمكن أن يكون أبعد عن الحقيقة. كما أشار برنامج الحكم الأفريقي لعام 2019 من قبل مؤسسة محمد إبراهيم، لا يوجد في الواقع نزوح جماعي من أفريقيا على الإطلاق.

في عام 2017، أكثر من 50٪ من المهاجرين في العالم جاءوا من 21 دولة فقط. وكانت الدول الأربع الرئيسية هي الهند (6.4٪) والمكسيك (5٪) وروسيا (4.1٪) والصين (3.9٪).

تمثل أفريقيا ككل حوالي 14٪ فقط من تدفقات المهاجرين العالمية، ومعظمها محصور في القارة. تشير العديد من التقارير الحديثة - الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، من بين تقارير أخرى - إلى أن حوالي 70٪ من المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ما زالوا في القارة، معظمهم داخل شرق وغرب أفريقيا (18.5٪ و16.7٪، على التوالي). ما يقرب من نصف (46٪) من جميع المهاجرين الأفارقة داخل المنطقة من الإناث.

وبالتالي، لا تواجه الدول الغربية أي أخطار بسبب المهاجرين الأفارقة. إن تدفق عدد كبير من المهاجرين ليس أمرًا سيئًا بالضرورة بالنسبة للبلدان الأفريقية التي تستقبل معظمهم. وبينما تعزز الهجرة داخل أفريقيا الروابط الاقتصادية بين المناطق القروية والحضرية، وبين الجيران الإقليميين، يمكن للبلدان المضيفة أن تجني فوائد اقتصادية واجتماعية مهمة.

تم تأكيد هذه النتيجة من خلال استطلاع قامت به مؤسسة «أفروبارومتر» عام 2018 في 34 دولة أفريقية، والذي يدل على أن سكان المدن الأصغر سناً والمثقفين هم أكثر عرضة للتفكير في الهجرة من نظرائهم القرويين الأكبر سناً والأقل تعليماً. في معظم الأحيان، تحفزهم الرغبة في العثور على وظيفة (43٪) أو الهروب من المصاعب الاقتصادية (33٪).

إن استغلال إمكانيات هؤلاء المهاجرين، وضمان أن تكون الهجرة داخل أفريقيا عملية آمنة ومنظمة ومنتجة، سوف يتطلب من الحكومات الأفريقية، بدعم من المؤسسات الدولية، إنشاء أطر أفضل لإدارة الهجرة في القارة.

إلى جانب جمع البيانات ومشاركتها، يمكن للمؤسسات الدولية تبادل المعرفة وأفضل الممارسات مع الحكومات، كما فعل حوار الهجرة في غرب أفريقيا. يجب على الحكومات الأفريقية زيادة مساهماتها في مثل هذه المبادرات، والتي يتم تمويلها إلى حد كبير من قبل المانحين الغربيين.

التكنولوجيا يمكن أن تساعد أيضًا. على سبيل المثال، تعمل منظمة «تيكفيوجيز» غير الربحية، بالفعل على تنسيق استجابة صناعة التكنولوجيا لتحدي اللاجئين، مما يحفز تطوير حلول «من أجل النازحين». وتشمل المشاريع الحالية «Migreat»، التي تساعد اللاجئين على التنقل في عملية طلب اللجوء، وGeeCycle، التي تركز على إعادة تدوير والتبرع بالهواتف المحمولة للاجئين.

والأهم من ذلك، يتطلب الحفاظ على سلامة المهاجرين من الحكومات ووسائل الإعلام وضع الأمور في نصابها. في جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، أدى الخطاب المناهض للهجرة إلى تأجيج الهجمات ضد الملاويين والزيمبابويين مؤخرًا.

في حين أن معدل تدفقات الهجرة الأفريقية ليس مرتفعًا كما يزعم بعض السياسيين، إلا أنه يمكن أن يعرف ارتفاعًا هائلًا مع تفاقم آثار تغير المناخ - مثل الجفاف والفيضانات والكوارث الطبيعية الأخرى. بالفعل، يساهم تغير المناخ في الكوارث، مثل أعاصير «اداي» و«كينيث» في موزمبيق، وفي حالات الطوارئ المزمنة، مثل حالات الطقس التي لا يمكن التنبؤ بها على نحو متزايد في منطقة الساحل. تُسلط هذه الاتجاهات الضوء على الحاجة المتزايدة لتحسين إدارة الهجرة.

بطبيعة الحال، تلعب البلدان الأصلية للمهاجرين دورًا مهمًا للغاية. تمثل الهجرة بشكل أساسي هجرة الأدمغة داخل أفريقيا - نظًرا لكون معظم المهاجرين الأفارقة الشباب مثقفون، فإن مغادرتهم تقوض التنمية في البلدان التي هي في أمس الحاجة إليها، بينما تعزز النمو في البلدان المضيفة عن طريق سد فجوات العمل، وزيادة الاستهلاك، وتوسيع القاعدة الضريبية.

يقوم المهاجرون بإعادة التحويلات المالية، والتي تصل إلى واحد من أكبر مصادر التدفقات المالية إلى البلدان النامية على مستوى العالم. وتُستخدم هذه الأموال بشكل أساسي لتعزيز استهلاك العائلات المستفيدة ودفع الرسوم المدرسية، بدلاً من تمويل الاستثمارات الإنتاجية. ونتيجة لذلك، يجب على حكومات البلدان الأصلية - مرة أخرى، بدعم دولي - خلق الوظائف الجيدة اللازمة لإغراء الشباب الأفريقي على البقاء في بلدانهم.

في السنوات الأخيرة، تم اقتراح تنفيذ مشاريع جديدة كحل لمشكلة الوظائف في أفريقيا. لكن تحفيز هذه المشاريع يتطلب اتخاذ إجراءات منسقة من الحكومات. على سبيل المثال، لمعالجة عدم التوافق بين المهارات التي تسعى إليها الشركات الخاصة ومهارات الشباب في أفريقيا، ينبغي على الحكومات الاستثمار في التعليم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وفي تحسين التدريب المهني. علاوة على ذلك، يجب على الحكومات العمل مع القطاع الخاص لتحسين بيئة الأعمال.

يجب أن تستفيد الحكومات أيضًا من ديناميكية القطاع غير الرسمي الكبير، الذي يستخدم ما يتراوح بين 75 و90٪ من الأفارقة. سوف يتطلب إضفاء الطابع الرسمي على الزراعة والمعالجة الزراعية والعديد من مؤسسات التصنيع والخدمات الصغيرة من الحكومات توفير البنية التحتية والخدمات العامة والوصول إلى الائتمان.

في منتدى «الجيل الجديد» في أبيدجان في وقت سابق من هذا الشهر، أوضحت المناقشات التي دارت بين مندوبي الشباب أن الشباب الأفريقي لن ينتظر بشكل سلبي مستقبلًا أفضل. إنهم يبذلون قصارى جهدهم ليس فقط لتطوير مهاراتهم وإيجاد وظائف جيدة، ولكن أيضًا لإحداث تغيير سياسي، حتى لو كان ذلك يعني الخروج إلى الشوارع لتحدي حكومتهم، كما حدث في الجزائر والسودان. لكنهم لا يستطيعون القيام بذلك وحدهم. يجب على الحكومات الأفريقية والمجتمع الدولي بذل المزيد من الجهود لدعم طموحاتهم - وتعزيز مستقبل القارة.

يلخص هذا التعليق المناقشات التي دارت في ورشة عمل «INET-CGET» التي عقدت خلال عطلة نهاية الأسبوع لمحمد إبراهيم، والتي جمعت أعضاء من فريق عمل مؤسسة «أفروبارومتر»، وبنك التنمية الأفريقي، ووكالة الهجرة للأمم المتحدة، ومعهد الموارد الطبيعية في أفريقيا، ووكالة تنمية الاتحاد الأفريقي، وممثلين عن القطاع الخاص الأفريقي.

 ** شريكتان في لجنة التفكير الاقتصادي الجديد للتحول الاقتصادي العالمي.