«قُل شيئاً ثم افعل شيئاً آخر». تلخص هذه الجملة إلى حد كبير العقيدة السائدة حالياً في الاقتصادات الناشئة في ما يتعلق بإدارة أسعار الصرف. يُفتَرَض أن تستخدم الدول أسعار الفائدة لتحقيق هدف التضخم والسماح لسعر الصرف بالتحرك بحرية.
في الممارسة العملية، كثيراً ما تتدخل البنوك المركزية في آسيا وأمريكا اللاتينية في أسواق العملة عن طريق شراء وبيع احتياطيات دولية، والاستعانة بمجموعة من التدابير الأخرى للحد من تقلب عملاتها.
سيكون الاستمرار في التظاهر على هذا النحو في ما يتصل بأسعار الصرف أكثر صعوبة بعد خطاب تاريخي ألقاه الأسبوع الفائت المدير العام لبنك التسويات الدولية أجوستين كارستنز في مدرسة السياسة العامة التابعة لكلية لندن للاقتصاد.
في الماضي، كان بنك التسويات الدولية يُعَد معقلاً للرأي التقليدي. ولكن الآن، يزعم بنك التسويات الدولية أن الآراء التقليدية لابد أن تخضع للتحديث. ومن المحتم أن تنصت الأسواق.
ربما يكون بوسع أنصار استهداف التضخم أن ينسبوا لأنفسهم إنجازات مهمة، وهو ما سجله كارستنز على النحو الواجب. وقد ساعد هذا في خفض معدلات التضخم في أغلب الأسواق الناشئة. كما ساعد في خفض ما يسميه الاقتصاديون «مرور أسعار الصرف» ــ التأثير الفوري الذي تخلفه تخفيضات أسعار الصرف على التضخم المحلي.
لكن هذا لا يعني أن الأسواق الناشئة يمكنها، أو ينبغي لها، عندما تواجه تدفقات ضخمة من رؤوس الأموال، أن تمارس «الإهمال الحميد» لسعر الصرف، كما يقترح الرأي التقليدي السائد. والواقع أن هذا القول المأثور «يُحتَرَم في خرقه أكثر من احترامه كدليل للسياسة النقدية»، كما لاحظ كارستنز بجفاء.
هناك حقيقة أساسية تفسر الفجوة بين النظرية والممارسة. الواقع أن الظروف المالية في الاقتصادات الناشئة تصبح محكمة عندما تنخفض قيمة عملاتها، والعكس صحيح. ولم يكن من المفترض أن يحدث الأمر على هذا النحو.
بل كان المفترض أن يسمح لها تعويم عملاتها بالسيطرة على أسعار الفائدة المحلية، والتي يمكن تعديلها بعد ذلك عند الضرورة لتخفيف التقلبات الاقتصادية المحلية. ولكن للأسف، تبين أن الواقع أكثر إثارة للحيرة والارتباك.
هناك مشكلة واحدة مفهومة بشكل واضح. فبسبب تقلب التاريخ المالي للاقتصادات الناشئة، كثيراً ما لا تجد حكوماتها وبنوكها وشركاتها أي اختيار سوى الاقتراض في الخارج بالدولار. وعندما ينخفض سعر الصرف، تزداد قيمة هذه القروض بالعملة المحلية.
في سيناريو معتدل، من الممكن أن يؤدي هذا إلى التخلف عن السداد، والإفلاس، وأزمة مالية. وتشكل تأثيرات الميزانية العمومية السلبية هذه أحد الأسباب وراء حساسية البنوك المركزية في الأسواق الناشئة لتحركات أسعار الصرف الحادة.
إن المستثمرين العالميين ملتزمون بقواعد القيمة المعرضة للخطر ومهتمون بالعائدات بالدولار..وبذا يؤثرون على الاسواق، وعندما يتعرضون لخسائر ناجمة عن تغير سعر الصرف، فإنهم يذهبون تلقائياً إلى تقييد الائتمان المقدم إلى ذلك البلد، مما يؤدي إلى انخفاض سعر الصرف بشكل أكبر وارتفاع أسعار الفائدة المحلية.
يستنتج بنك التسويات الدولية أن «سعر الصرف ربما يعمل كناقل ومضخم للصدمات المالية، وليس كأداة لامتصاص الصدمات الحقيقية»، عندما تتسبب التغيرات في السياسة النقدية في الاقتصادات المتقدمة أو التحولات في شهية المستثمرين في تدفق رؤوس الأموال بكميات ضخمة إلى الخارج.
هذه مشكلة كبرى للبنوك المركزية التي تنشغل ــ كما ينبغي لها ــ بالاستقرار المالي. ولكن حتى في نظر البنوك المركزية التي تهتم بالتضخم ولا شيء غيره، تمثل تقلبات سعر الصرف معضلة. تفرض العملة المرتفعة القيمة ضغوطاً تدفع التضخم إلى الانخفاض، لكنها تعمل أيضاً على تخفيف الظروف المالية المحلية. ومع تراكم الديون والمخاطر، تصبح الساحة ممهدة لانخفاض حاد في قيمة العملة وضغوط تدفع الأسعار إلى الارتفاع في المستقبل.
تُرى ماذا ينبغي للقائمين على البنوك المركزية أن يفعلوا حيال هذه المقايضة بين التضخم اليوم في مقابل التضخم في الغد؟ يتمثل أحد الاحتمالات في ضم سعر الصرف إلى العوامل التي يضعونها في الاعتبار عند تحديد أسعار الفائدة.
ويمكن تحقيق هذا من خلال قاعدة تايلور المعدلة ــ على اسم الخبير الاقتصادي جون تايلور من جامعة ستانفورد ــ التي أضافت انحراف سعر الصرف عن مستوى هدف معين إلى أهداف قياسية للتضخم والفجوة في الإنتاج.
الواقع أن العديد من الأسواق المركزية في الأسواق الناشئة تقوم بذلك بالفعل. فبعد انخفاض قيمة العملة، تقوم هذه الأسواق عادة بتشديد السياسة النقدية من أجل احتواء ما يسمى تأثيرات الجولة الثانية (حيث يؤدي سعر الصرف الأضعف إلى تلويث التوقعات وسلوكيات تحديد الأجور).
والمشكلة هي أنه عندما يتمكن الذعر من المستثمرين ويصبح سعر الصرف غير متوازن، فقد يصبح رفع أسعار الفائدة إلى أي مستوى غير كافٍ لتهدئة الأمور. الأسوأ من ذلك أن أسعار الفائدة الشديدة الارتفاع التي تغرق الاقتصاد وتتسبب في تراكم ديون البنوك المركزية القصيرة الأجل ربما تقلل من مصداقيتها بدلاً من تعزيزها.
لنستشهد هنا بالأرجنتين اليوم: تعهد البنك المركزي بالحفاظ على ثبات المعروض النقدي (وهو يفي بتعهده)، وأسعار الفائدة القصيرة الأجل 70%، وتعمل الحكومة على خفض العجز المالي بشكل كبير. لكن التضخم يواصل الارتفاع (كان قريباً من 55% على مدار الاثنى عشر شهراً الأخيرة) ولا يزال البيزو تحت الضغط.
يتمثل أحد البدائل في استخدام التدخل المعقم في سوق الصرف، كما تفعل العديد من الدول الآسيوية بشكل روتيني، وكما توشك الأرجنتين أن تفعل، على الرغم من التعهدات السابقة بعكس ذلك. يسمح التدخل أثناء ارتفاع سعر صرف للبنوك المركزية بتكديس الاحتياطيات الدولية، وهي سياسة تحوطية كلية مرغوبة.
وأثناء التراجع، عندما يسحب المستثمرون العالميون أموالهم، من الممكن أن يعمل التدخل في سوق الصرف عن طريق بيع الاحتياطيات كأداة لتحقيق الاستقرار، لأنه يوفر السيولة الدولارية التي يحتاج إليها الاقتصاد المحلي بشدة.
سوف يزعم المتشككون أن التدخل المعقم في سعر الصرف ليس من المفترض أن يخلف أي تأثير. لكن أولئك المتشككين مخطئون، كما يؤكد الباحثون في بنك التسويات الدولية.
وقد لاحظ كارستنز أن أعمال هؤلاء الباحثين تُظهِر أن «المشتريات المعقمة من العملات الأجنبية في اقتصادات الأسواق الناشئة تفرض تأثيراً خافضاً كبيراً، على المستويين الإحصائي والاقتصادي، على أسعار الصرف، ولو بشكل مؤقت على الأقل».
ولكن هل ينبغي لهذا التدخل أن يسترشد بالتقدير أو القواعد؟ إذا استرشد بالقواعد، فهل تكون القواعد مرنة بالقدر الكافي لتجنب إنشاء سعر صرف شبه ثابت، والذي ستراهن عليه الأسواق حتماً؟ لا تزال هذه الأسئلة وغيرها الكثير في حاجة إلى إجابة.
لكن الأمر الوحيد المؤكد هو أن التعويم النظيف حل محل التعويم غير السليم. ويبدو أن النظرية بدأت تلحق أخيراً بالممارسة.
أندريس فيلاسكو - المرشح الرئاسي السابق، ووزير المالية الأسبق في تشيلي، وهو عميد مدرسة السياسة العامة التابعة لكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

