يعتقد الكثيرون أن انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو المقبل ستكون «الفصل الثالث» في ما بدأ عام 2016 باستفتاء المملكة المتحدة على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. من المتوقع أن تكون مواجهة حاسمة بين قوى المجتمعات «المفتوحة» و«المغلقة»، حيث يكون مستقبل الاتحاد الأوروبي على المحك. كل هذا يبدو غير منطقي. وقد يكون خاطئاً تماماً.

دفع انتخاب بريكسيت وترامب العديد من المحللين السياسيين إلى استنتاج أن الناخبين الأوروبيين أيضاً سيتخلون عن الأحزاب الرئيسية لصالح التنظيمات الجديدة القائمة على الهوية. ومع ذلك، في أمريكا، تؤثر الانقسامات السياسية والإقليمية على المكان الذي يعمل فيه الشخص، وبمن سيتزوج، وكيف ينظر إلى العالم. وفي المملكة المتحدة، ظهرت خلافات مماثلة منذ فترة طويلة بين الشمال والجنوب، وبين الشباب والكبار، بين المناطق الحضرية والقروية، وبين الخريجين وغير الخريجين.

تُعد السياسة الأوروبية أكثر مرونة. ويشير استطلاع أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أخيراً (ECFR /‏ YouGov) ضم حوالي 50 ألف ناخب من 14 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، إلى أن أفضل نموذج لفهم أوروبا في عام 2019 ليس الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة.

ولكن قارة «ويستروس» الخيالية، وهي المكان الرئيسي لسلسلة لعبة العروش التي عُرضت على (HBO) في الولايات المتحدة. لا ينقسم المشهد السياسي الأوروبي إلى قبائل مستقرة، لكن ميدان معركة لا يمكن التنبؤ به نظراً للتحالفات المتغيرة باستمرار؛ التي تتميز بالتقلبات المتطرفة.

بدأت تتحول السياسة الأوروبية من الاتجاه السائد إلى اتجاه ثانوي، لكنها تتصاعد في كل الاتجاهات - من اليسار إلى اليمين، ومن معاداة المؤسسة إلى تأييد المؤسسة، وما إلى ذلك. إن الخيارات الانتخابية في مايو غير مؤكدة، حيث يقول نصف المشاركين في الاستطلاع إنهم لن يصوتوا على الإطلاق. 15٪ لم يقرروا بعد، و70٪ من 35٪ من الناخبين ممن يعتزمون التصويت ما زالوا مترددين. ويتعين منح حوالي 100 مليون صوت في شهر مايو.

على عكس الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لن يكون هذا مجرد تصويت حول الهجرة. بشكل عام، لا يرى معظم الأوروبيين أن الهجرة مصدر قلق رئيسي لبلادهم. تشمل القضايا ذات الأهمية القصوى الاقتصاد والتهديدات التي تطرحها القومية والتطرف الإسلامي وتغير المناخ والعداء الروسي.

وبالتالي، فإن النقاد مخطئون في اعتبار الانتخابات بمثابة صراع بين مؤيدي أوروبا والقوميين الأوروبيين ـ حتى لو كان ذلك ينطبق على الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في فرنسا عام 2017، فعندما هزم إيمانويل ماكرون مارين لوبان من الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة (تسمى الآن التجمع الوطني).

يشير استطلاع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن الغالبية العظمى من الأوروبيين لا يشعرون بالحاجة للاختيار بين هوياتهم الأوروبية والقومية. في الواقع، لقد أدركت حتى الأحزاب القومية أن هذه الهويات مترابطة، ولهذا توقفت عن الترويج للانسحاب من اليورو أو الاتحاد الأوروبي.

إن المشكلة الحقيقية التي تؤثر على معظم الأوروبيين هي علاقتهم بـ «النظام»، إذ يعتقد ما يقرب من ثلاثة أرباع مواطني الاتحاد الأوروبي أن النظام السياسي معطل، سواء على المستوى الوطني أو مستوى الاتحاد الأوروبي أو كليهما. إن كيفية معالجة كل ناخب لهذه القضية هو مفتاح لفهم كيفية تصويتهم.

في تصنيف «لعبة العُروش»، يمكن تقسيم هؤلاء الناخبين إلى أربع مجموعات رئيسية. المجموعة الأولى يُدعون «ستاركس»، الذين يعتقدون أن النظام لا يزال يعمل وأنه يمكن إحداث تغييرات كبيرة من خلال المشاركة السياسية والتصويت. يشكل «ستاركس» 24٪ من الناخبين في الاتحاد الأوروبي، يتواجدون في الشمال (أي ألمانيا والدنمارك والسويد).

تضم المجموعة الثانية «العصافير»، الذين يعتقدون أن السياسة غير فعّالة على مستوى الاتحاد الأوروبي وداخل الدول الأعضاء. ومن بين المجموعات الأكثر تطرفاً الحركات الاحتجاجية مثل حركة (السترات الصفراء)، التي ترغب في تطهير النظام من الفساد والبدء من جديد، مثل الثوار في سلسلة لعبة العروش. تشكل مجموعة «العصافير» 38٪ من الناخبين، والتي تحظى بشعبية كبيرة خاصة في فرنسا واليونان وإيطاليا.

المجموعة الثالثة هم «الخارقون»، الذين يتبعون «دانيريس تارغاريان» والدة التنانين في لعبة العروش، بعد تحريرها من العبودية. وتشمل هذه المجموعة في الاتحاد الأوروبي الناخبين الذين يرفضون النزعة القومية الضيقة، ويسعون إلى تحقيق المشاريع الدولية والمشاريع عبر الوطنية. إنهم يعتقدون أن أنظمتهم الوطنية هي المشكلة الرئيسية، وأن الحل يكمن في بروكسل. يشكل الخارقون 24٪ من الناخبين، وهم ممثلون جيداً في المجر ورومانيا وبولندا وإسبانيا.

تشمل المجموعة الأخيرة «البرٌيون» الذين «يعيشون وراء الجدار». قد يحظى القوميون المتشككون في أوروبا بالكثير من الاهتمام الإعلامي، لكنهم يشكلون 14٪ فقط من الناخبين. ولهم وجود قوي في الدنمارك والنمسا وإيطاليا.

بالنسبة لكل هذه المجموعات، فإن الخيار الأساسي ليس في الحقيقة بين «أوروبا المفتوحة» و«الدول القومية المغلقة». السؤال المطروح هو بالأحرى ما إذا كان الوضع الراهن لا يزال قائماً وفي أي سياق.

يتمثل التشابه الرئيسي الوحيد بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في تركيز الأحزاب السياسية الآن على تعبئة قاعدتها أكثر من محاولة توسيعها عن طريق إقناع الناخبين بالتصويت لصالحهم. ولذلك، ستركز العديد من الأحزاب السياسية في الانتخابات الأوروبية على 149 مليون شخص غير المتأكدين مما إذا كانوا سيصوتون أم لا.

لكن هذا لن يكون كافياً. للتغلب على الأحزاب الشعبوية والقومية، يجب على بعض المرشحين الأوروبيين الرئيسيين إعادة بعض العصافير والبريين إلى النظام، وضمهم إلى صفوفهم. وللقيام بذلك، يجب أن يضعوا أنفسهم كعوامل تغيير موثوق بها.

في نهاية المطاف، سيتم الفوز أو الخسارة في هذه الانتخابات في ظل ظروف محلية شديدة التوطين؛ ما يصلح للمرشحين في التيار الرئيسي في بعض الأماكن لن ينجح بالنسبة لأولئك في الأماكن الأخرى. يجب الفوز بالانتخابات في البلدان، حيث يسيطر المتشككون في أوروبا على السلطة، مثل هنغاريا وإيطاليا، وفي فرنسا، حيث عانى المؤيدون لأوروبا من ردود فعل سياسية. لقد بدأت اللعبة للتو.

 مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.